مقارنة مؤلمة بين التدخل العسكري للتحالف العربي في اليمن والتدخل العسكري التركي في ليبيا .. "تقرير" 

انطلقت العمليات العسكرية للتحالف العربي في 26 مارس 2015م ، يقيادة المملكة العربية السعودية تحت مسمى عاصفة الحزم ، بهدف انهاء الانقلاب والقضاء على التمرد ووقف التمدد الإيراني في المنطقة وإعادة الشرعية المعترف بها دوليا إلى العاصمة صنعاء ،وتحت تلك الأهداف على الأقل ظاهريا استمرت الطلعات الجوية والعمليات البرية لقوات التحالف في اليمن دون تحقيق اي من أهدافها المرسومة والمعلن عنها ...

 

تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة عسكريا في اليمن ، الذي تقلص من 14 دولة إلى دولتين هما (السعودية - الامارات) مر عليه خمسة أعوام ودخلت الحرب عامها السادس ، إلا أنه لا يوجد أي نجاح يذكر لصالح الحكومة اليمنية أو الشعب اليمني ، بل على العكس من ذلك تماما ، ظلت الشرعية اليمنية في صراع مستمر مع أطراف التحالف بسبب انعدام أي اتفاقية تحدد ضوابط وقيود التدخل العسكري في اليمن ، كما ظلت القيادة السياسية والعسكرية اليمنية حبيسة الرياض والقرارات والاجندات السعودية ..

 

بالإضافة إلى أن التدخل العسكري لقوات التحالف العربي ، أفرز واقع سياسي واجتماعي وعسكري جديد على الساحة الوطنية ، وأسس لتمزيق الوحدة اليمنية ، ومكن مليشيات الانقلاب من ترسيخ حكمها السلالي العنصري شمال البلد ، وعمل على إضعاف قوات الجيش اليمني ماديا ومعنويا لصالح قوى انفصالية ومليشيات مسلحة تمكنت بفضل التحالف العربي من إحكام قبضتها على عدد من المحافظات جنوب الوطن ، 

 

وبعد خمس سنوات من التدخل العربي في اليمن ، أصبح السفير السعودي الحاكم الفعلي لليمن ، يتدخل في التعيينات العسكرية والمدنية ، ويدير التوجهات السياسية والعسكرية للحكومة الشرعية ، وتم تغيب الأخيرة تماما عن المشهد الوطني ، ولم يسمح لها بالعودة إلى أراضي الوطن لتمارس مهامها وواجباتها ، مقابل توطيد حكم الانقلابيين شمالا وجنوبا ، وتغذية الصراعات الداخلية ، الامر الذي ساهم في انهيار الاقتصاد الوطني وتعزيز موقف انقلاب صنعاء عسكريا وسياسيا ... 

 

ذلك إلى جانب منع القوات المسلحة اليمنية من الحصول على السلاح الكافي والنوعي لحسم المعركة ، بل تم استهداف القوات العسكرية اليمنية جويا في أكثر من موطن ، ولم تسمح قوات التحالف بحصول الجيش اليمني على اسلحة جوية او حتى تدريب قوات جوية وبحرية ، وحصرت الامر على قوات برية فقط غير مسلحة بالشكل الكافي وغير مؤهلة لخوض عمليات قتالية نوعية ، مقابل تمكين المليشيات المناهضة للحكومة الشرعية من الأسلحة الثقيلة والعربات المحصنة والدعم المالي واللوجستي والغطاء الجوي الصريح ...

 

وفيما تواصل دول التحالف الايغال في تدمير اليمن على مختلف الأصعدة ، واستهداف النسيج الاجتماعي وتزكية الصراعات الداخلية والحرب الأهلية وابقاء الشرعية تحت الإقامة الجبرية في الرياض ، مسخرة في ذلك قواتها العسكرية واموالها الطائلة ووسائل الإعلام المختلفة التي تعمل ليلا ونهار على شيطنة القوى الوطنية اليمنية وتبرير أعمال التمرد والفوضى ، كانت الأزمة الإنسانية في توسع والانهيار الاقتصادي في تنامي مستمر ، واصبحت حياة ما يزيد عن ثلثي سكان اليمن على شفى الموت جوعا بحسب تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة في اليمن .

 

ولمقارنة ما قدمته قوى التحالف للشرعية اليمنية والشعب اليمني ، مع ما قدمته تركيا للحكومة الشرعية الليبية والشعب الليبي ، نجد أن التدخل التركي لم يصادر قرار الشرعية الليبية ولم يحتجز السراج ، ولم تتدخل تركيا في التعيينات العسكرية ، بل إن تركيا تعمل مع حكومة الوفاق كمساند لها في تثبيت دعائم الدولة وإزالة المخاطر التي تهدد وحدة التراب الليبي ، بينما في اليمن يقوم التدخل السعودي الإماراتي بتغذية التمردات ودعم المليشيات التي تهدد وحدة التراب اليمني ، 

 

وللمفارقة ، تمكن التدخل العسكري التركي من تحقيق انتصار عسكري واسع في وقت قياسي ، وعلى الرغم من تحرير مناطق الغرب الليبي كلها بمساندة الطيران التركي إلا انه لم يحدث أن أخطأت الضربات وقصفت المنازل المدنية أو قوات حكومة الوفاق الليبي .. كما أن تركيا لم تعمل على إنشاء مليشيات مسلحة تدين لها بالولاء وتناهض الشرعية الليبية ، ولم تسخر قنواتها و وسائل اعلامها للنيل من مكونات الوفاق الليبي ، ولم تسخر امكانيتها العسكرية للسطيرة على الموانئ والجزر في ليبيا كما فعلت دول التحالف العربي في اليمن ...

 

وعلى النقيض تماما لما يحدث في اليمن ، كان التدخل التركي في ليبيا بهدف منع سقوط العاصمة الليبية بيد الإنقلابيين ونجحت في ذلك ، وجاء التدخل التركي بموجب إتفاقية واضحة ومعلنة البنود مع حكومة الوفاق الوطني بقيادة "فايز السراج" ، وقدمت تركيا كافة الدعم العسكري والمالي لقوات الحكومة الليبية ومكنت الجيش الليبي من الاسلحة الثقيلة والمتنوعة والعربات المجنزرة والمدرعة ، والدعم المالي واللوجستي والغطاء الجوي ، والمساندة الإعلامية المكثفة ، وتعزيز موقف الحكومة الليبية سياسيا وعسكريا ، ما مكنها من فرض نفسها على أرض الواقع ، واتاح لها المجال للمفاوضات والمواقف السياسية محليا ودوليا ...

 

وهنا يتضح الفرق الشاسع بين الحليف الحقيقي والحليف المزيف ، وعلى الرغم من أن التدخل التركي لا يزال في مراحله الأولى ، إلا أنه حقق نتائج كبيرة في دحر الانقلابيين وتمكين الحكومة الشرعية من بسط نفوذها على الأرض، بينما التدخل العربي في اليمن لم يخلف إلا الخراب والدمار وأزمة إنسانية هي الأسوأ في العصر الحديث ، وهو ما يضع علامات استفهام وتعجب حول الاهداف الحقيقة التدخل العسكري في اليمن ! مقابل اهداف التدخل العسكري التركي في ليبيا ؟؟