هل يبقى السلاح النووي للردع في عهد ترامب؟

سلاح نووي

 


القوة العسكرية هي أحد أهم أنواع ومصادر القوة التي تعتمد عليها الدولة في تحقيق أهدافها، وإلى جانب القوة العسكرية تستخدم الدولة أنواعاً ومصادر أخرى للقوة، مثل القوة الاقتصادية، والقوة الثقافية والقوة العلمية والتكنولوجية. وبطبيعة الحال تكون قوة الدولة أكبر وأفعل إذا ما قامت على العناصر الأربعة سالفة الذكر في إدارتها لأمورها وتحقيقها لأهدافها.

 

 

 الولايات المتحدة هي أقوى دول العالم عسكرياً واقتصادية وثقافياً وعلمياً، منذ أن أصبحت أكبر وأهم وأقوى دول العالم الغربي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وحتى الآن. صحيح أن المسافة التي كانت تفصل القوة الأمريكية عن القوى الأخرى عالمياً أو دولياً، قد أصبحت الآن أقصر مما كانت عليه في العقود السبعة الأخيرة، ويعني ذلك أن خريطة العالم قد أصبحت تضم دولاً أخرى كبرى وقوية على المستوى الدولي مثل روسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي، أو بعضها. ولكن الصحيح أيضاً أن أياً من هذه الدول لم تستطع بعد التعادل في مستوى القوة، أو استخدامها، مع الولايات المتحدة. 

 

 


ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال القوة العظمى الأولى والأكثر انتشاراً عالمياً، والأكثر استخداماً للقوة العسكرية وامتلاكاً لها.. وصحيح أنه فيما قبل انتهاء الحرب العالمية لم تكن الولايات المتحدة مستخدمة للقوة العسكرية في علاقاتها الخارجية وإن كانت قد استخدمتها في الحرب الأهلية الأمريكية.

 


وقرب انتهاء الحرب العالمية الثانية ارتكبت اليابان خطأ استراتيجياً وتاريخياً، عندما ضربت قاعدة بيرل هاربر البحرية الأمريكية، رغم أن حليفتيها الأخريين، ألمانيا وإيطاليا، كانتا قد اعترفتا بالهزيمة وتوقفتا عن استخدام القوة العسكرية، وقبل بيرل هاربر لم تكن الولايات المتحدة طرفاً في الحرب العالمية الثانية، ولكن نتيجة لها اضطرت واشنطن للتدخل المباشر والضخم، عندما قررت توجيه ضربتين نوويتين لكل من هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، لتتغير خريطة العالم، وبالذات خريطة قوته العسكرية، وخاصة النووية منها. وبعد الحرب العالمية الثانية، وانتقال الولايات المتحدة الأمريكية إلى موقع قيادة «العالم الحر» أو العالم الغربي، تبنت سياسة جديدة، أحد أهم عناصرها استخدام القوة العسكرية بشكل موسع وكبير في مناطق أو قارات العالم المختلفة، بدءاً بشرق آسيا، وانتقالاً إلى جنوب شرق آسيا، ثم التركيز على استراتيجية الردع بعد انتهاء حرب فيتنام، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في ديسمبر كانون الأول 1991 انفردت الولايات المتحدة بوضعية القطب الأوحد وتوسعت في تحديد نطاق عمل حلف شمال الأطلسي «الناتو» وذلك كي لا يخرج عن نطاق العمل والوجود الفعلي.

 

 

 وكان استخدام القوة العسكرية الأمريكية والأطلسية في كوسوفو وصربيا، ومن قبلهما في العراق حتى تحرير الكويت. ومع ذلك فإنه يمكن القول إن استخدام القوة العسكرية النووية الأمريكية كان محدوداً بخبرة هيروشيما وناجازاكي فقط، وأن تلك الأسلحة النووية لم تستخدم مطلقاً من الولايات المتحدة ولا غيرها من الدول، من بعد خبرة عام 1945، ولكن الأسلحة النووية كانت، ولا تزال تستخدم بواسطة الولايات المتحدة لردع الأعداء أو الخصوم المحتملين مع الولايات المتحدة وهو ما تم، بصفة خاصة، مع الاتحاد السوفييتي السابق، ومع روسيا الاتحادية والصين الشعبية حالياً، وهي بالمناسبة، سياسة متبادلة فيما بين القوتين النوويتين الأكبر، والأهم، والأخطر، في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن. ومع بداية القرن الحالي، الحادي والعشرين تورطت الولايات المتحدة، وبشكل غير مسبوق في استخدام قوتها العسكرية، وقوة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أفغانستان، ثم في العراق.

 


 وكان التدخل في أفغانستان في عام 2001، وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، التي استهدف فيها الإرهاب رمز القوة العسكرية متمثلاً في مبنى البنتاجون «وزارة الدفاع الأمريكية» والقوة الاقتصادية متمثلاً في مركز التجارة العالمي، وبعد عامين، أي في عام 2003، استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية في غزو واحتلال العراق. ورغم أن السياسة المعلنة لإدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، كانت تعلن أن هدفها يتمثل في انسحاب القوات الأمريكية من كل من أفغانستان والعراق، وهو ما تم، ولكن ليس بشكل كامل، فإن مسألة استمرار استخدام القوة العسكرية من جانب الإدارة الأمريكية تظل معضلة على مستويات العمل المختلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

 

 

 ومع الرئيس الأمريكي الحالي والمختلف «دونالد ترامب» ومع تصريحاته وتصرفاته التي تبدو غريبة، وليست متوافقة مع قواعد العمل السياسي والعام في المجتمع الأمريكي، ومع قدومه من خارج المؤسسة السياسية الاستراتيجية، رغم كونه عضواً بالحزب الجمهوري، ورغم فوزه بالرئاسة الأمريكية من خلال منظومة العمل السياسي الأمريكي، فإن تركيزه على عناصر شخصيته، وعلى شبكة علاقاته البعيدة عن الإطار المؤسسي للنظام السياسي الأمريكي، جعل العديد من الإعلاميين وقادة الرأي، بل ورجال السياسة يعلنون عن توقعات وتحركات غير تقليدية، بل وقد تكون محددة في الحياة السياسية الأمريكية، بما في ذلك استخدام ترامب ومجموعته للقوة العسكرية في ميادين المعارك، وليس فقط لتحقيق ردع دول وأطراف أخرى عن مجرد التفكير في استخدام مباشر للقوة في معركة مع الدولة الأمريكية في الداخل أو الخارج. 

 


ورغم كل ما تقدم، يبقى عنصر الردع، كهدف استراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية، أحد أهم عناصر سياسة الدفاع أو السياسة الاستراتيجية، والأطراف المستهدفة في سياسة الردع الأمريكية من جانب إدارة ترامب وقد يبدو أنها لا تتضمن روسيا الاتحادية، وبالذات في ضوء تصريحات ترامب عن رغبته في تغيير، وتحسن العلاقة الأمريكية مع روسيا الاتحادية، وبالذات في موضوع مكافحة الإرهاب.

 


 ويعزز ذلك الاحتمال أن العدو المستهدف في استراتيجية مكافحة الإرهاب ليس دولاً بقدر ما هو كيانات وتنظيمات سرية تملك بعض عناصر القوة العسكرية، ولكنها لا تملك جيوشاً نظامية، وهو ما يجعل المواجهة معها من جانب الولايات المتحدة أو أي دولة عضو في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب تقوم ليس على ردع تلك التنظيمات السرية، التي لا يكون مجدياً معها أي استراتيجية للردع لا تقوم على استخدام مباشر للقوة العسكرية كأساس لتحقيق أهداف سياسات الدولة. 

 


ولأن الصين نجحت خلال العقود الماضية في الوصول بقدراتها إلى مرتبة عالية قد تجعلها ثاني أو ثالث أكبر أو أقوى قوة في العالم، ولأن الصين تسعى الآن إلى بناء طريق الحرير الجديد، والمساهمة في صياغة أسس لهيكل القوة للنظام الدولي يقوم على التعددية وليس الثنائية أو الأحادية القطبية، فإنه لا يتوقع أن يكون هناك استخدام للقوة العسكرية من جانبها، أو من جانب الولايات المتحدة، كأساس لعملية إدارة الصراع الذي أصبح يقوم بشكل أهم على الردع وليس الاستخدام للقوة العسكرية. في المجال النووي فإن الولايات المتحدة وروسيا هما من أكبر وأقوى الدول النووية، والفرق بينهما وبين الدول السبع الأخرى المالكة للسلاح النووي «الصين وبريطانيا وفرنسا والهند وباكستان، وإسرائيل وكوريا الشمالية» هو فرق كبير في مستوى القوة وفي عدد الأسلحة النووية، ومن ثم سوف تستمر السياسة الأمريكية في الانشغال، أساساً بالعلاقة النووية مع روسيا الاتحادية، وربما غيرها من الدول المالكة للسلاح النووي. وفي كل الأحوال فإن توقعنا هو أن العلاقات بين الكبار نووياً ستكون قائمة بالأساس على الردع وليس استخدام القوة العسكرية، ومع ذلك قد تكون حالة العلاقة مع كوريا الشمالية حالة خاصة لارتباط البعد النووي بالحالة العامة لعلاقاتها مع القوة الأمريكية العظمى، وهو ما يمكن أن يقود مع شخصية مثل ترامب إلى وضع أو موقف يتم فيه استخدام القوة العسكرية، بما في ذلك وهو الأخطر، استخدام القوة العسكرية النووية.

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص