في ذكريات أبي قبل مولدي !!


ايهاب الشرفي : 

لكل منا ذكرياته الخاصة التي يحتفظ بها عن عالمه الخاص ، مع أصدقائه ومحبيه ، ذكريات موثقة عن الطفولة ومغامرات الشباب التي كانت تأبى أن يقاسمها الزمان بخيباته ، والأجمل أن تأتيك هذه الذكريات على غفلة من الزمن ، وتسرد لك رواية ملحمية عن فترة ما من حياة والدك وأصدقائه ، وترسم لوحة ذهنية عن تفاصيل احتوت عمق المشاعر وفيض الأحلام وخلدت لحظة تاريخية حياته على جدار الزمن ، وأصبحت بعد مضي الأيام نقطة مرجعية لتلك الأيام التي تاهت بين جريان الوقت ..
 
وفي حين كانت الصورة الذهنية عن والدي هي تلك التي رسمتها في اخر مرة التقيته بها قبل نحو ثلاثة أعوام ، بحكم بُعد المسافة واستحالة اللقاء أو الزيارة ، إذ ببن العم "صادق الصعدي" يأخذني برحلة مع الذاكرة إلى الثمانينات وربما السبعينيات ، ويسرد لي سيرة أخرى عن حياة الشباب التي قضاها مع والدي ، ويخبرني بجملة من الصور الفوتوغرافية التي خلدت ذكرى جميلة ولحظات رُسمت أحداثها في لوحة ربيعية بديعة ، عن الصدق والمحبة والوفاء وكل ما يروي الأحاسيس وينعش القلوب وتتناثر فيها أجمل الذكريات واللوحات الذهنية التي تجدد ما بددته الأيام ومحته فصولها المتقلبة  .

يخبرني كم كانت الصداقة عاطفية وصادقة ومليئة بالمحبة ، رغم قسوة الحياة وخبايا الظلم الذي استوطن أوقاتهم ، وحصار الأيام الذي فرض سلطته عليهم وحرمهم من أيامهم ، ويصف عمق الصداقة المعززة بصلة القرابة والأخوة ، والذكريات الخالدة التي بقيت رغم الصعاب ، فالأرواح الجميلة لا تستذكر إلى الجمال ، والخلود لا يمكث إلا في القلوب الرقيقة ، والذكرى لا تموت ولا تتلاشى ولا تمحوها الأيام ، وجمال الماضي قصة اخرى عن الجمال والبراءة ، خلدتها صورة جدارية وذكرى فريدة تناقض الواقع وتكشف عالم اخر من الحنين والمغامرة .  

وحينما أنظر الى تلك الصور وروعتها الخالدة ، يتنابني شعورا بالخوف من تسارع الزمان ، فلا نكاد نحس به إلا وقد حملنا من عالم إلى آخر ، إلى شكل غريب عن أنفسنا وذواتنا ، نحدق في ذكريات الماضي القريب فنجدنا أشخاصا غيرنا، ونتعجب من ملامح الأمس واشكالنا اليوم ، وإذا بنا قد اختلفنا عما كنا ، وغرقنا في زحام الواقع الحافل بانشغالاتنا المتشابكة ، كما هو الحال مع والدي وصديقه وابن عمه صادق في هذه اللوحات ، وعلى الرغم من الانفصام بيننا وبين الماضي ، إلا أن ثمة شيء يربطنا بما سلف ، خيط رفيع نسميه الذكرى .

وذلك ما يسلي النفس رغم اوجاعها ، وتلك الذكريات مهما كانت صغيرة ، ستبقى كالحكايات لا تتناقص بانقضاء العمر ، تمر من كل الأزمنة وتتناقل عبر الأجيال ، وسنكون يوما ما أبطالها ، لننقل لمن بعدنا تفاصيل حياتنا من طفولتنا إلى اللحظات الجميلة الممزوجة بالألم والسعادة واللحظات المسروقة من ثنايا الواقع ، وسنحكي كما تحكي هذه الصور تفاصيل رحلينا القسري عن الأماكن التي خلدت ذكرياتنا ، عن بصمة المكان وذكرى الزمان والأحلام المعلقة وإن لم تتحقق ، إلا أنها ستبقى صامدة على الجدران ، ترفض السماح للزمان مسح أثارها ، كما هذه الذكريات الخالدة التي قاومت الزمان ومتغيرات الواقع .

نعم ، لكل ذكرى قصة لا يعرف تفاصيلها سوى أصحابها ، وهذه قصة أخرى كشفت عن جزء منها بعد أكثر من ثلاثة عقود ، في تفاصيلها معاني الصداقة التي مُزجت بدماء القرابة وتمازج الأنساب ، وعظمة أولئك الذين قضوا غالبية سنين حياتهم بين تلك التفاصيل المستترة ذهابا وإيابا ، وخلدوا ورائهم الماضي المرصع بالطموح والآمال والأحداث التي واكبوا ظروفها وتعايشوا مع نتائجها ، فأولئك هم أهلي وعشيرتي الذين افتخر بهم رغم الفراق الذي حال بيني وبينهم . 

ولا يمكن للواحد منا ان يفخر بنفسه أكثر من فخره بأبيه ، كيف لا وهو الذي منحني الحياة بعد الله وعلمني البر والتقوى والرضى بالاقدار والسعي الجاد والصبر والاجتهاد والوقوف بعد التعثر والانطلاق بعد التوقف ، وعلمني دروس الشقاء والسعادة ، وتحمل الكثير من الصعاب والمتاعب وأسلم نفسه لظروف الحياة وحمل روحه بكفيه لكي أصبح رجل يعتز ويفتخر به ؛ وكيف لا يفخر الواحد منا بأهله وعشيرته وهو جزء لا يتجزأ منهم ، اوجدته الاقدار بينهم ، وكتبت السماء أن يكون واحد منهم ، لا يشتد عضده الا بهم ، ولا يقوى على الدهر الا بمساندتهم ودعمهم ..

اللهم يا رب العالمين وانت أرحم الراحمين ، احفظ والداي وارحمهما في الدنيا والآخرة ، واجزهما خير ما جزيت والدين عن ولدهما ، واغفر جهلنا بقدرهما وجحودنا فضلهما وتقصيرنا فيهما وارحمهما كما ربياني صغيرا ، ويا رب لا تحرمني فضل صلة الأرحام والجحود بالأهل والأحباب إنك كنت بنا رحيما .

- الصور ، لوالدي أحمد عبده حسن الحميري ، واخيه وصديقه وابن عمته صادق عبده علي الصعدي ، حفظهما الله تعالى ، في سبعينيات القرن الماضي .

 

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=3819488908137017&id=100002278378778