قراءة في شهادة "محسن العيني" على العصر !!

إيهاب الشرفي : 

تابعت حلقات شاهد على العصر مع (محسن العيني) رئيس الوزراء الأسبق في الجمهورية العربية اليمنية .. وتفاجأت بكمية المعلومات والحقائق التي رافقت رحلة الأحرار من 1948 الى 1972م ، والصراع العسكري والسياسي الذي عاشته اليمن حينها ، والذي وبالمناسبة يشبه تماما ما تعيشه اليمن حاليا وكأنه نسخة طبق الأصل منها ..

 

لكن ما لفت انتباهي طوال الحلقات السبع ، هو العقلية السياسية الضيقة التي يتعامل بها العسكر مع التحديات وطرق إدارة المشكلات والدول بتفكير محدود وموحد ، مثل تعامل عبدالناصر والسادات وعبدالحكيم عامر مع الملف اليمني حينها ، والذي يعكس مدى الغباء والاستخفاف بالشعوب والمجتمعات .. 

 

ولك ان تتخيل ذلك في التصرفات الطفولية التي أدارت فيها الحكومة المصرية الملف اليمني (طيارتين وكتيبة عسكرية من قوات الصاعقة الي بيأكلوا تعابين، وننهي القضية اليمنية ونفرض سيطرة الجمهوريين وخلاص) ، وهو القرار الغبي الذي دفع بعسكر مصر لإرسال ما يزيد عن 70 الف جندي لليمن ، وإحداث خلل كارثي في نتائج المعركة السياسية والعسكرية في اليمن ما تزال افرازتها الكارثية حتى اليوم ، فضلا عن تأثير تواجد القوات المصرية وهزيمتها في اليمن على نكسة 67 .. 

 

والأدهى من ذلك إدارة العسكر اليمنيين للملف بعد النجاح المبهر لقوى الجمهورية في 62 ، وخاصة الملف الاعلامي الذي بدء وكأنه يستعدي كل دول العالم ، تارة يهددون بارسال جحافل الجيش لطرد بريطانيا من الجنوب واخرى يهددون السعودية ، ويهاجمون العراق وأمريكا وروسيا والشيوعيين والاسلاميين .. الخ ، وهو ما انعكس على تباطئ دول العالم في الاعتراف بالجمهورية وتقوية الصف الملكي ، الذي قلب المعادلة وافضى الى تقاسم السلطة بين الجمهوريين والملكيين بعد ان كانت خالصة للجمهوريين ...

 

والكارثة الكبرى التي ما نزال ندفع ثمنها الى اليوم ، تتمثل في الارتهان الكامل لقوى خارجية ، وانقسام المجتمع اليمني بين مؤيد وداعم ومرتهن للسعودية واخر لمصر ، كما يحدث الان تماما ، فيما ضاعت الأسماء الوطنية المناضلة مثل الزبيري ومحمد علي عثمان وغيرهم في متاهة الارتهان و الانقسام العظيم الذي صاحب مرحلة ما بعد سبتمبر 62 الى 67 م ، وقضى الاحرار نحبهم بين قتيل ومطارد ، وكأن ثورتهم كانت الوصية الأخيرة لحياتهم ..

 

ولك ان تتخيل مدى ركاكة وضعف القوى الساسية اليمنية ومدى اعتمادها الكامل على القوى الخارجية ، في حجم الوفود والطائرات التي كانت تتنقل بين اليمن والقاهرة ، بل واقدام السلطات المصرية  على اعتقال ابرز القيادات الثورية والسياسية والعسكرية بينهم وزراء وقيادات من الصف الأول ومشائخ قبائل مثل مجاهد ابو شوارب وغيرهم (والزج بهم في السجن لمدة عام ونصف) ، قبل ان يتم الافراج عنهم بعد اتفاق مصري سعودي على حل الازمة اليمنية ، وليس نزولا عند رغبة او قدرة اليمنيين ..

 

ما اشبه اليوم  بالبارحة ، وكأن التاريخ يعيد نفسه ، ففي حين كانت قوى الجمهورية مدعومة من مصر والملكية من السعودية ، كانت ذات الأحداث التي نعيشها اليوم  تحدث في ذلك الوقت ، مثل اقتتال قوات الصاعقة والمضلات في صنعاء عام 63 ، وتوسط قوى محلية ودولية لانهاء الصراع ، وانشاء حكومة يسيطر العضو الواحد فيها على أكثر من وزارة ومهمة مثل الدكتور البيضاني الذي تم منحه عدة مناصب في آن واحد مثل : (نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ، نائب رئيس الوزراء ، وزير الاقتصاد) واستخدام القبائل للحرب وقتالها في صف من يدفع أكثر .. 

 

فضلا عن اقالة الحكومة واستبدالها بأخرى ، وفرض أسماء وابعاد اخرى ، واجراء عدد من جلسات المفاوضات في ظل استمرار الصراع المسلح بدعم وتمويل خارجي ، وازهاق الارواح وقتل المدنيين وتردي الأوضاع المعيشية ، قبل ان تتفق القوى الخارجية بعيدا عن القيادة اليمنية ، وتنسحب هذه القوى وترك الساحة مفتوحة لليمنيين لمواجهة مصيرهم وحل مشاكلهم بأنفسهم ، واكتفاء دول العالم بتقديم المساعدات الإنسانية والاغاثية للشعب اليمني المطحون من تبعات الحرب والخراب .. 

 

ترك اليمن عرضة للانقلابات المتلاحقة والصراعات الدموية ، والمشاكل الاقتصادية ، وانعدام البنية التحتية ، والصراعات السياسية والايدولوجية ، ليعود مرغما للقبول بحكومة المناصفة ومحاولات التغلب على التحديات والملفات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبنى التحتية وحيدا بالاعتماد على المساعدات الخارجية ، وبقيت اليمن من حينها والى اليوم ساحة نفوذ مفتوحة للمملكة العربية السعودية ، والقرار اليمني مرتهنا بالسياسة السعودية .. 

 

حتى أن الحمدي الذب جاء بإرادة سعودية بحتة ، ارتكب أخطاء كارثية دفعت اليمن ثمنها إلى اليوم ، منها ماهو سياسي واقتصادي وعسكري ، ومنها ماهو اجتماعي وثقافي وفكري ، واتخذ قرارات غيرت مسار اليمن الى اليوم ، مثل ربط الملف النفطي بالسياسة السعودية ورفض التعاون مع العراق والسوفيت للتنقيب عن النفط وانشاء المصافي النفطية وتزويد الجيش بأسلحة سوفيتية حديثة ، ورفض المدربين المصريين للجيش اليمني والقبول بالضباط الأردنيين بتوصية سعودية ، وتعين احمد الغشمي رئيسا للاركان رغم معارضة الكثيرين والتنكر لكثير من مناضلي الثورة اليمنية .. الخ 

 

وهذا يعني ان اليمن ستضل ساحة حرب ونفوذ لقوى خارجية وسيضل اليمنيين وقود لهذه الحرب حتى تتفق هذه القوى فيما بينها ، وتترك البلاد للمحاصصة والانقسام الداخلي والخارجي ، وسيدفع ابناء اليمن وحدهم ثمن المعركة الدولية ، وستكتفي قوى العالم بما فيها أطراف النزاع الدولية بتقديم المساعدات الإنسانية المحدودة ، والتشجيع على انهاء الصراعات الداخلية ..  
انصحكم وبشدة متابعة الحلقات على اليوتيوب