تيَّارٌ من أجلِ نهضةِ اليمنِ

 

             د. علي البكالي

رئيس الهيئة التأسيسية لتيار نهضة اليمن.

 المجتمعاتُ لا تخطو إلى المُستقبلِ بحمولاتِ الماضي؛ سيما إذا كانَ مُغَـرَّقًا في الظلامِ و موغِلًا في التَّخبُطِ.

و الثقافةُ التي لا تتجاوزُ إِسآرَ عهودِ التَّخلفِ لا تعدو أن تكونَ استدوامَ الصراعِ المجتمعي، و تدويرًا لأدواتهِ و أماكنِ تموضُعهِ.

لم تكنْ مُشكلةُ اليمنِ الراهنة على الحقيقةِ إلَّا استنطاقٌ مُكثَّفٌ لثقافةِ الفوضى التي عصفتْ باليمنِ على مدى( ١٢) قرنًا من الزَّمنِ.

 و قد غافلتْها على الحقيقةِ نخبةُ الجمهوريةِ ضآنةً مقدرتَها على تخطي المرارةِ عبر مُتغيِّرِ الاستبدال للأشخاصِ دون بلوغِ التغييرِ مداهُ في تعديلِ الأفكارِ و الأنساقِ و البيئةِ الحاضنةِ.

عند إمعانِ النظرِ في طبيعةِ (الديالكتيك) الذي استجمعَ هذا التراكُمَ من الفوضى و الفشلِ الطويلِ، يُلوِّحُ للباحثِ السياسيِّ جِـذرُ الإشكالِ وجوهرُهُ ومضمونُهُ.

 إنه في الأصل تعطيلٌ مُتعمَّـدٌ لقانونِ (الديالكتيك) الطبيعي عن أداءِ مهمتِهِ في النظامِ الاِجتماعي، من خلالِ فرضِ نخبويَّةٍ مُسْتَدْوِمَةٍ عبرَ معاملاتِ إنتاجٍ  طائفيَّةٍ أو مذهبيَّةٍ أو شِبْهِ إقطاعيَّةٍ لا أدريَّةٍ، ظلتْ تعيدُ إنتاجَ نفسَها طوالَ قرونٍ و عقودٍ خلتْ؛ من خلالِ إعادةِ تدويرِ الصراعِ و الفوضى و العُنفِ، مع تبديلِ تموضعاتهِ و شُخوصهِ، على حسابِ الشعبِ اليمنيِّ المسحوقِ، و طبقاتهِ الكادحةِ.

 في هذهِ الجِذريةِ بالذَّاتِ تكمنُ المشكلةُ اليمنيةُ، وتتكثَّفُ في صورةِ ثقبِ أوزونَ يختزلُ وجودَ الشعبِ و مصالحهِ و طموحاتِهِ، في أنانياتٍ فَجَّـةٍ لا ترى في جموعِ اليمنيينَ سوى رعِيَّةٍ للكدحِ و البؤسِ، أو حشدٍ من البلاهةِ و التصفيقِ، أو سُلَّمٍ بالٍ لإعادةِ تصعيدِ و إنتاجِ أبناءِ الذَّواتِ، ذاتِ النَّزْعَاتِ العُنْصُرِيَّةِ أو الجهويَّةِ أو المناطقيَّةِ، بعيدًا عن فكرةِ الدولةِ الجمعيَّةِ و المصيرِ التاريخيِّ و مطلبِ التَّطوُّرِ الاجتماعي.

طوالَ ما يربو على (١١) قرنًا من عُمْرِ اليمن، ظلَّتْ الإمامةٌ بصورتِها الكهنوتيَّةِ العنصريةِ و تحالفاتِها الطبقيَّةِ؛ تُنْتِجُ الصُّورةَ العامةَّ لشعبٍ مسحوقٍ، رَمَتْهُ الأقدارُ في مغاراتِ الفوضى و الجهالةِ و التَّخلُّفِ المُرِيْعِ.

و إلى جِوارِ هذهِ الصورةِ الباهتةِ، قامتْ بعضُ الصورِ الإنعكاسيِّةِ لبقايا جهوِيَّاتٍ توارثيَّةٍ بِنَزْعَاتِ ما قبلَ الدولةِ و المُجتمعِ و التاريخِ؛ لتُضِيْفَ لمشهدِ البؤسِ الاجتماعيِّ تعقيدًا آخرَ.

 ولَدَتِ اليمنُ مَجْدَها يومي الـ(٢٦) من سبتمبرَ  و الـ(14) من أكتوبرَ، فتحرَّرَتْ من الإمامةِ والاستعمارِ دُفْعَةً واحدةً، و وضعتْ قدمَها لأوَّلِ مرةٍ في التاريخ على طريقِ المجتمعِ الحديثِ و الدولةِ العصريَّةِ؛ مُعْلِنَةً أُفُـولَ عصرِ الظلامِ و الاستعبادِ و صراعِ  التخلفِ والجهلِ.

عادةً و في لَحَظاتِ ميلادِ الأُممِ، تتواكبُ الشروطُ النَّفْسُ زمنيَّةٍ مع قوانين حركةِ التاريخِ، لتتغلَّبَ القيمُ الوليدةُ على منظومةِ القيمِ التقليديَّةِ الباليةِ. 

لقدْ كانَ ذلك حُلْمُ الأحرارِ الذي صاغتْهُ  أهدافُ الثورةِ ورؤيتُها لليمنِ المُستقبلِ الحديثِ المُوحَّدِ الناهضِ.

غيرَ أنَّ انعكاساتِ الظروفِ المحيطةِ بلحظةِ الميلادِ أعادَ ابتعاثَ القيمِ الباليةِ من دفائنِها، و دفعَ بها للوقوفِ بوجهِ روحِ التَّحْديثِ و العصْرَنةِ، في مضمارِ صراعٍ طويلٍ أنهكَ الرُّوحَ الوطنيةَ الجمهوريةَ، وحافظَ على خمائرَ ما ضد الدولة، وحالَ دون تغييرٍ جِذريٍّ عميقٍ.

 لقد تشكَّلَتْ من ذلك التَّضادِ القيميِّ المُفْتعلِ بين خمائرِ الماضي و روحِ الحاضرِ؛ ثُنائيَّةٌ توليفيَّةٌ عزَّزتْ تناقُضَ الذَّاتِ و قهرَ الطُّموحِ.

و في ظِـلِّ التدخلاتِ القَصْدِيَّةِ الدَّاعِمَةِ لقيمِ التَّقْليديَّةِ في عقودِ الجمهوريةِ، على حِسابِ الرُّوحِ الشَّعْبيَّةِ، عادتِ النَّخْبَوِيَّةُ التقليديةُ بتحالفاتِها القديمةِ الجديدةِ؛ لِتَقِفَ مُتَلَـوِّنَةً، دون بلوغِ التغييرِ مداهُ الطبيعي.

 و ما زادَ الطينَ بِلَّةً أنَّ النُّخْبةَ ذات الحظِّ التعليمي المحدودِ من جيلِ النِّضَال الثاني، قفزتْ خارجَ  واقعِها وبيئتِها الوطنيةِ؛ لتستوردَ الأفكارَ الأيديولوجيةَ المُعَلَّبةَ، و تجعلَ مِنْها مسطرةً تَحُـدُّ بها مقاساتِ التغييرِ، وطموحَ الشعبِ، وأذواقَهُ العامةَ، فكانتِ النتيجةُ أنْ فُتِحَ بابُ التصنيمِ وصناعةِ أبطالِ الورقِ والتصنيمِ على المستوى الداخلي. 

و كـذا على المستوى الخارجي فُتِحَتِ اليمنُ بمصراعيْها ساحةً لصراعاتٍ إقليميَّةِ ودوليَّةٍ.

 لقد أضافتِ الأيديولوجيا المستوردةُ للواقعِ اليمني مُشْكِلًا جديدًا على مشكلاتِه الذاتيةِ، بتأكيدِها على قيمِ التقليديةِ و الاغترابيةِ على حِساب رُوحِ الشعبِ وضميرهِ، و الإنسانِ اليمني وذاتِهِ التاريخيةِ،  و مشكلاتِه الاجتماعيةِ، ومعطياتِ البيئةِ المحليةِ، فخلقتْ بذلك ثُلْمَةً في جِدارِ الهويَّةِ وشعورِ الانتماءِ و المواطنةِ، و انصرفتْ أهدافُ الصراعِ عن ميدانِ الانتصارِ للقيمِ الجديدةِ و المجتمعِ العصريِّ الناهضِ، إلى ميدانٍ آخرَ؛ هو ميدانُ التمترسِ خلفَ الأفكارِ الوافدةِ، و الأيديولوجيات المُبهمةِ.

 و لِأنَّ تلك الأفكارَ امتداداتٌ لصراعاتٍ دوليةٍ وإقليميةٍ صارتِ اليمنُ مسرحًا لعملياتِها الواسعةِ، وحاويةً لمخلفاتِها التدميريَّةِ للذَّاتِ والواقعِ على السواء.

وإلى جِوارِ تلك الإمتداداتِ المُتعدِّيَةِ، تشكَّلتْ أنانياتٌ نفعيَّةٌ ضيِّقةٌ، رفعتْها الأيديولوجياتُ اللاأَدَرِيَّةُ وظرفُ الصراعِ إلى النخبويةِ، عكستْ مصالحَها من خلال تكثِيفِ عواملِ التناقُضيَّةِ و الاغترابِ.

وفي ظِـلِّ الضَّبابيَّةِ الحاجِبَةِ لعقلِ الواقعِ، و التَّناقُضيَّةِ التي تُغذِّيْها التوجُّهاتُ الخارجيةُ والأنانيَّةُ النخبويةُ، فُتِحَتْ ثغورٌ عِدَةٌ في جِدارِ الوطنِ والجمهوريةِ، نَفَذَتْ من خلالِها دعواتُ الإمامةِ العائدةِ بأثوابِ المليشيا العنصريةِ، و إِسآرِ النَّزْعاتِ المناطقيَّةِ، و اتَّخَذَتْ من صراعاتِ السلطةِ المُتكلِّسةِ، والمعارضةِ التوليفيَّةِ مدخلًا للتَّعَمْلُقِ والانتشارِ و التعبئةِ الارتداديةِ.

 وكنتيجةٍ للتَّلقِّي السلْبِي من خارج البيئة، والتحشيدِ المُضادِ بنزْعةِ التصنيمِ و الأدلجةِ، وجنوحِ النُّخَبِ المصنوعةِ للانتصارِ للأنا على حِساب الذات والجمهورية والوحدةِ الوطنيةِ و الدولة الضامنةِ، وَقَعَ التَّصادُمُ، وتفكَّكتْ مؤسساتُ الدولةِ الشكليَّةِ، و انْهارتْ القيمُ الجامعةُ، وتغوَّلتْ نزاعاتُ ما قبلَ الدولةِ؛ فحدثتْ بذلك الرِّدَّةُ القيَمِيَّةُ التي مهَّدَتِ الطريقَ لسيطرةِ المليشيا الحوثيَّةِ على صنعاءَ وعلى مؤسساتِ الدولةِ.

وفي ظِـلِّ حماقةِ الجهلِ و رغبةِ الانتقامِ أخذتْ أطرافُ الصراعِ و أقطابُهُ؛ تُفَكِّـرُ بعقلِ المُراهقِ في استخدامِ المليشيا الإماميةِ الجديدةِ والنزعاتِ المناطقية كأدواتٍ للانتقامِ الأخيرِ.

خمسةُ عقودٍ من التناقُضيَّةِ اللاأَدَرِيَّةِ كانتْ مُحصِّلَتَها النهائيةَ سقوطَ الدولةِ وعودةَ صيْحَاتِ الإمامة وأصواتِ التشطيرِ، وتسليمِ البلاد للمشاريعِ الخارجية المُتعددةِ، في مَشْهَدٍ دمويٍّ عُنصريٍّ و مناطقيٍّ فَـجٍّ لم يكنْ أحدٌ يتخيَّلُـهُ.

 و رَغْمَ ذلك لا تزالُ الطبقةُ السياسيَّةُ التي باتَتْ كُلُّها رهنَ الاِستلابِ و التَّشَرُّدِ لا تعي دروسَ التاريخ، ولا تدركُ المخاطرَ التي تُحْدِقُ بما تبقى من كينونةِ المجتمعِ، وعناصرِ وجودهِ.

إنَّ الواقعَ اليمنيَّ الراهنَّ و مآلاتِهِ الكارثيةَ لم تَعُدْ تَخْفَى على ذي نظرٍ، فقد باتَ كُلُّ شيءٍ على المَحَكِّ، الجمهوريةُ والوحدةُ الوطنيةُ، والديمقراطيةُ والحريةُ و السيادةُ والاستقلالُ، والنسيجُ الاجتماعيُّ و وحدةُ الجغرافيا والوجودُ الاجتماعيُّ.

 فضلًا عنِ انْهِيارٍ كُلِّيٍّ لمنظومةِ القيمِ و سُلَّمِ الأفكارِ، حيثُ استفحالُ دعواتِ العنصرية وأصواتِ (القندلةِ) و(الزنبلةِ) ونَزْعَاتِ التَّطرُّفِ وطغيانِ المُعتقدِ الطائفي على الروح الوطنية، ناهيك عن صورٍ ملشاويَّةٍ مُتعددةٍ تُنَازِعُ فِكرةَ الدولةِ والسلطةِ، وهو ما يُنْذِرُ بِكارثةٍ لا على المستوى الوطني فحسب؛ بل على المستوى الوجودي التاريخي لليمنِ.

لقدِ اسْتَدْعَى هذا الواقعُ المُنزلقُ و المُشكلُ العويصُ في الحقيقةِ جرسَ الإنذارِ المُبكرِ لدى نخبةٍ صاعدةٍ من الأكاديميين والمثقفين والناشطين والشباب والطلابِ والرجالِ والنساءِ الغيورينَ على وطنِهم ومستقبلِ أجيالِهمْ، لِتَقُـوْمَ بواجبِها التاريخي المسؤولِ تجاهَ وطنِها؛ مُنْطَلِقَةً من رُوحِ الشعبِ وآهاتِه، وواقعِ المُشكلةِ ومعالجاتِه.

وكنتيجةٍ للبحثِ القويمِ في جُذُورِ المُشكلِ الوطني وعواملِ التأثيرِ الداخلي والخارجي، ومطلبِ الإنقاذِ المُلِـحِّ، قرَّرَتْ مجموعَةُ العقولِ اليمنيةِ الصاعدةِ الانطلاقَ من خلالِ محطةٍ بديلةٍ مُتَحرِّرةٍ من عواملِ الاختزالِ للروحِ اليمنيةِ، تسعَى لاستعادةِ الدولة وإنقاذِ اليمنِ منَ الصراعاتِ و الحروبِ و العنفِ و التَّطرُّفِ والإرهابِ، لِتَضَعَ حدًا لتدويرِ الفوضَى والصنميَّةِ، وَ لتُرْسِي بذلك أُسسَ المجتمعِ الحديثِ و الدولةِ الناهضةِ، و الشَّعبِ المُنتجِ.

إِنَّهُ ميلادُ تيَّارِ نهضةِ اليمنِ من أجلِ دولةٍ ضامنةٍ ويمنٍ ناهضٍ و وطنٍ آمنٍ و مُسْتَقِـرٍّ.