تعقيدات الأزمة اليمنية .. الأبعاد والخفايا..!!

 


إيهاب الشرفي :

 

لنتوقف قليلا ، نأخذ نفس عميق ، نغمض عيوننا ، نتخلى عن العاطفة ، نفكر بعقل وبسياسة ، نفتح التاريخ ، نتتبع خيوطه ، نربط الأحداث والمصالح الدولية في اليمن ، ننظر إلى أبعد مدى ، نلملم شتات التنظير ونسترجع الماضي القريب والبعيد ونقراء بين السطور ونستبيح التقوقع وننطلق نحو الحقيقة ونفهم أبعادها ونقرر شكل المواجهة.

 

ندون كل ما نحصل عليه من معلومات وحقائق ونكتب المعطيات بدقة متناهية ، ثم نضع الأسئلة الأهم حول ما يحدث بكل هدوء وتأني وعقل ومنطق ، وبعد وضع الأسئلة نحاول الإجابة عليها بمنطقية بعيدا عن العصبية والتعصب والعاطفة ، نضع الإجابات الشافية معززة بالأدلة والتعاليل المبنية على وقائع ونحلل بعمق أكثر ، نغوص في الجوانب المظلمة ونستخرج الحقيقة التي نبني عليها مواقف مصيرية !!

 

بشرط ، إستبعاد المستحيل والغير ممكن ، وإستخلاص المعلومات كما هي من مصدرها حتى وان كانت من ألد أعدائنا ، ثم نضع السؤال الكبير وبخط عريض ، مالذي يحدث باليمن !!؟؟ لمصلحة من هذه الفوضى والحرب طويلة الأمد ؟؟ سؤالين فقط يلخصان كل شيء يختصران الإجابة الشافية لكل هذا الإرتباك ، ولكنهما يحتاجان لإجابة طويلة تتسلسل أحداثها منذ مايزيد عن مئتين عام من تراكمات الأحداث السياسية والعسكرية في الجغرافيا اليمنية وعلاقة الغير بها .

 

حسنا ، ربما تكون مئتان سنة تاريخ طويل لفهم حقيقة ما يحدث ، وقد يكون من الصعب تلخيص ذلك التاريخ في مقال واحد ، لكنها تضل حقيقة يجب أخذها بعين الإعتبار ، أو حتى يكفي أن نفهم رؤوس أقلام عنها ، والتي تتلخص في الإرث الزيدي شمال الشمال ، وعشرات السلطنات جنوب اليمن ، والظاهرة الصوتة في الوسط التي تحلم بعهد جديد من الحرية ، هذه المعطيات التي برزت بأسماء جديدة وأشكال متعددة (حوثي ، إنتقالي ، مقاومة ، نخبة ، حزام ، حراك ، مجالس عليا ، تكتل ، حلف .. الخ ) ماهي إلا نتائج إستعمارية لخلق صراع قبلي وجهوي بهدف خلق نوع من التغير الفكري للقومية العربية والقبول بالهيمنة الغربية كما هي للخلاص من تبعاتها ، وهي في الحقيقة جزء من المشكلة التاريخية على المستوى المحلي فقط ، 

 

أما على المستوى الدولي ، فهناك الهيمنة البريطانية على الجزيرة العربية وهي حصتها من الحرب العالمية الثانية بالإضافة إلى حنينها للماضي الإستعماري لليمن ، وكذا المصالح الأمريكية المتقاطعة مع الإرث السوفيتي جنوبا ، ولا يمكن أن نغفل بروز لاعبين دوليين جدد في العالم مثل الصين ، والعداء التاريخي بين الحكم الملكي السعودي والإمامي بأثر رجعي ، والمصالح الصهيونية في قناة السويس وباب المندب ، ثم بعد ذلك يمكن الحديث عن الموقع الجغرافي شديد الأهمية لليمن الذي يطل على أهم خطوط الملاحة الدولية والثروات المعدنية والطبيعية التي تختزنها أرض اليمن بإعتبارها أرض بكر حتى الآن .

 

وبناء على ذلك يمكن القول أن الدور الإماراتي القبيح الذي تلعبه باليمن ، ماهو إلا واجهة لنشاط خلفي متوافق تماما مع الدور السعودي الذي يبدوا عليه الركاكة والإرتباك في أحيان كثيرة وعدم الرضى عن مجريات الأحداث التي تذهب بعيدا جدا عن مصالحها القومية لصالح أطراف من شأنها تهديد الأمن القومي السعودي على المدى البعيد ، أو على الأقل ستخلق حالة عداء حقيقي مع الشعب اليمني الذي يعتبر عمقها الإستراتيجي تاريخيا وحاضرا ، إلا أن هناك حقيقية اخرى يجب مراعاتها تتمثل بالغباء السياسي في المنطقة الذي يمكن أعدائهم منهم بكل سهولة وبخسائر معدومة .

 

وبالتالي يمكن إعتبار الإمارات والسعودية واجهة يتم تشويه صورتها وإحراق دورها وإضعاف حضورها الإقليمي من خلال جملة من الملفات والقضايا الخطيرة المتصلة بالملف اليمني ، فيما تحضى بريطانيا وهي اللاعب الأبرز والفعلي على الساحة اليمنية بنتائج هذا الصراع الطويل باليمن ، وهو ما يفسر الحضور الإستراتيجي القوي لبريطانيا في الملف اليمني سواء بإنفرادها بإدارة هذا الملف بمجلس الأمن الدولي ، أو من خلال وضعها الخطط والبرامج العسكرية لعمليات التحالف العربي في اليمن ، او من خلال فرضها شروط وإملأت على الأطراف اليمنية ، مع الإشارة إلى أن الدور الأمريكي متماهي تماما مع المشروع البريطاني .

 

كما أن التغير المتسارع في موازين القوى العالمية ، يعزز رغبت بريطانيا بالسيطرة على اليمن ذات الموقع الجغرافي الإستراتيجي الهام ، والبحر الأحمر إيتداء من جزيرتي تيران وصنافير المصرية ، بإعتبار ذلك إرث تاريخي مرتبط بإتفاقية البحار العالية الموقعة بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية عام 1947م من القرن الماضي، والذي وقع بين كل من الاتحاد السوفييتي وبريطانيا وأمريكا وفرنسا ، التي تنظم وجود القوى الكبرى في السواحل والموانئ وحقوق المرور وقضايا كبيرة تتعلق بمصالح الشركات الملاحية البحرية التي تتبع هذه الدول ، هذه الرغبة البريطانية تبدو جلية من خلال تحركات المسؤولين البريطانيين منذ 2011 إلى 2015 إلى الآن بشأن إدارة الأزمة اليمنية ، 

 

وهو ما يظهر من خلال التشكيلات العسكرية المدعومة إماراتيا التي تُعد نسخة متطابقة من التشكيلات البريطانية جنوب اليمن قديما (جيش عدن أو"جيش الليوي"، الحرس الحكومي، الحرس القبلي، جيش البادية الحضرمية، الجيش اللحجي، جيش المكلا النظامي، الجندرمة القعيطية والكثيرية ، فصيل العوالق والعواذل، فصيل يافع وعزان، فصيل الحسني والميسري) ، و أيضا التحركات الإماراتية في الشواطئ والجزر والموانئ اليمنية قامت بها بريطانيا سابقا بذات الخطوات وبنفس التكتيك (جزيرة سقطرى ، وجزيرة ميون وكمران ، ميناء المخاء وميناء عدن إمتدادا إلى الموانئ الأخرى حتى المهرة) 

 

تلك حقائق يجب التوقف مليا عند كل واحدة منها والبحث في جذورها ومحاولة وضع الحلول الناجعة لمواجهة أثارها ، ولا تقل أن ذلك ليس من شأنك وأن رجال السياسة هم وحدهم من يمتلكون الحق المطلق في التعامل مع مثل تلك أمور ، أنت أيضا لاعب مهم في هذه اللعبة السياسة وبإمكانك تغير الموازين وقلب المعادلات ، فلا تبدي ضعفك مهما كانت الأسباب ، فقط كل ما عليك هو تعلم كيف تلعب بإحترافية ، وكيف تخلط الأوراق على أعداء وطنك ، حينهما يمكنك تجاوز هزيمتك سريعا وتحويلها إلى نصر مبين .

 

*يتبع