مشكلات مجتمعية 

بقلم : د. محمد صالح السعدي 

كثيراً ما نرى أنه من الممكن أن نأخذ طريقاً مختلفاً في حياتنا , طريقاً له ايقاعهُ الخاص , والذي يجعلنا اقرب الى شخصنا الذي نتمناه , الجميع يفكر في هذا دون استثناء , يتلقب ويُقلب في ذهنهِ الكثير من الأفكار والأماني والطموحات , وخلال ذلك يتسرب اليها ضربات من واقع الحياة لتعكسَ حقيقة الصعوبات وواقع التحديات التي تدفع خيالنا وافكارنا الى الوقوف قبل ان نصل الى حافة الانهيار . 
وحقيقتاً , أرى , وهذا وجهة نظرة , أننا اليوم نتخذ مواقف  مختلفة باختلاف انتماءاتنا وثقافتنا وطبيعة تفاعلاتنا مع محيطنا , وذلك في الحقيقة , هو ناتج الأفكار والقيم التي سادت في المجتمع وتكونت نتيجة التراكمات التاريخية والسلوكية وتأثيرات الدين والمحيط والثقافة , وعليه تُقاس نهضة الامة بقدرتها على التفاعل فيما بينها , فالحضارة ليست الصناعة فهذا فعل مادي مطلوب للبقاء على قيد الحياة , ولكن الحضارة هي ان تكون انسان بالمعنى والفعل , وان تتمثل الاخلاقيات الإنسانية فيك , وان تتمثل في قدرتك على التفاعل الإيجابي  مع اخيك الانسان , فعلى سبيل المثال , حين تزور قرية ريفية بسيطة تجد سكانها ودودون وكرماء ويد المساعدة سباقة اليك وانت لست منهم ولا تعرفهم ومن الممكن ان تكون زيارتك مروراً لا غير وقد لا تقابلهم مرة أخرى بقية حياتك , لكن افعالهم وسلوكياتهم كانت راقية وهذه هي الحضارة .. 
و لهذا , فأن الخطاب القرءاني للبشر , جاء اساساً لبناء السلوك الإنساني والطبيعة البشرية مهيئة لتحقيق هذا , ولهذا ظهر الفلاسفة والباحثون في ميدان الاجتماع والأخلاق والسلوك في محاولة للدراسة والتطوير والتحسين , ونجد ان القرءان عنى بشكل حقيقي في معالجة السلوك البشري ومعالجة الآفات السلوكية , والتي جاءت ناتجاً عن الانحراف الفردي والسعي لمطامع مادية كالسلطة والمال والملذات على حساب أخيه الانسان , ومهما كانت الوسائل متطورة فأن مقياس الحضارة هي بمقدار رقي الاخلاق وإيجابية التفاعل الإنساني المشترك بين أصحابها .. 
واننا في الحقيقة اخوتي , وفي بلادنا وامتنا , نعاني اضطراباً في القيم والسلوكيات فيما بيننا , وهذا ظاهر بوضوح , فكيف لنا اليوم ونحن اهل البلد الواحد والدين والثقافة المشتركة ان نتقاتل هكذا سنوات تتلوها سنوات , صراع يلحقه صراع , ومع كل هذا الوقت والصراعات المتلاحقة نجد التبريرات وناشريها كثر , وكأن ما حدث ويحدث هو اصل سلوكنا واخلاقنا ؟ , ولكن في الحقيقة هو انعكاس لتدني الاخلاقيات وللهمجية التي صارت معياراً للزعامة والسلطة ومعياراً للوطنية , وهذا مؤسف , حين تجد الكاذب والناقم والحاقد والمتوحش , قد صار رمزاً للوطنية بينما الداعي للأخوة والسلام والبناء والاستقرار هو العميل والخائن .. 
وصحيح ان البلاد تحتاج للحزم والقوة , ولكن الى حزم الحق وقوة العدل وليس الى البطش والسجن والقتل , و شتان بين كلمة طيبة اسره للقلوب , راضية للنفس , وبين رهبة السوط وفوهة البندقية , وبين نشر الخير والمساواة والمحبة , وبين نشر الكراهية والعنصرية والبربرية , وصراحتاً , فأن البربري والجاهل مهما مارس العنف باسم الامن فأنهُ لا يفقه معنى العزة والاعتزاز , لأنها لا تكون الا بالحفاظ على كرامة الانسان , و انى لهذا الجاهل المرتدي لباس الامن أن يفهم معنى الكرامة وهو غارق بجهلة وبربرتيه .. 
ومع هذا , فأن واقعنا مزعج , ولكن لا يحدث العلاج الا بالعودة الى اصلنا التاريخي وانعاش ذاكرتنا الثقافية والإنسانية , وهذا لا يكون الا بفتح الأبواب لتراثنا السابق والسباق الى بناء الحضارة , وانا على يقين حقيقي بأننا سوف نجد الحلول والابجديات الأساسية لبناء الحضارة وتعمير الانفس قبل الأرض , تعمير المجتمع اخلاقياً وسلوكياً لكي نتقبل بعضنا ونجيد التفاعل فيما بيننا ...

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص