تعز: جيل المتناقضات !!

ايهاب الشرفي :

بين أكوام المساكن المترامية في منعطفات و اخاديد المدينة الحالمة ، التي اطلق عليها المجتمع اليمني ، محافظة الثقافة اليمنية ، يتكوم بين شوارعها و أحياها البسيطة جملة من المتناقضات و الإختلافات الجوهرية ، على الصعيد الإجتماعي و الثقافي و السياسي ، وكأن المدينة تعيش حالة من الانفصام .

 

في الحالمة تعز ، يعيش الشاب "ماهر" الذي ترك دراسته في عامها الثاني بجامعة صنعاء كلية الحقوق ، ليلتحق بركب الثائرين تاركا قلمه و قرطاسه خلف ظهره ، غير ابه بالمستقبل او نبضات فؤاده التي توشك ان تتوقف بإنتظار رصاصة قناص او شظايا قذيفة ليلية ، و استبدل قلمه ببندقية خلف متراس احدى الجبهات دفاعا عن تعز .


ماهر فتى الجامعة و رجل الجبهة عاد خائبا يحمل خفي حنين بيد و بالاخرى بندقيته ، و اتخذ من مدخل الحي الذي يقطنة نقطة تفتيش و جباية للتقطع و النهب و التهديد و الوعيد ، يكابد خيبة أمل بالنصر و يترحم على ماضي ليس ببعيد ، و اصبحت اقصى احلامه الاغتراب بالسعودية او مهاجرة اليمن الى اي مكان في الارض ، في صراع مع افكاره و طموحه الذي انصدم بجيل الارتزاق و بيع الأرواح لاول مشتري قادم من بعيد .


في تعز ، حلاق الحي ينتشي بقات الماوية ممسكا بيده اليمنى مقص الشعر و في اليسرى حبة سجارة تفوح منها رائحة دم أحبائه و ابناء عمه الذين فقدوا أرواحهم بقذيفة غادرة أثناء نومهم ،  يترك الزبون على كرسي الحلاقة ليتكئ على الجدار المقابل للمرآة حيث كراسي الإنتظار المهترئة ، يتحدث عن بقايا منزله المدمر ، و يلعن بكل صفات القهر و الغلب من تسبب بهذا الدمار و من احرق مدينته المنكوبة .


لكنه يعود مرة اخرى و قد انتصب و اقفا ، يترحم على الزعيم و يذكر محاسن صالح عفاش ، و يشيد بمناقبه ، وكم كان طيبا مع ابناء تعز ، فيما تسقط في الاثناء بقايا احجار المنزل على باب محله العتيق ، الذي قصفته دبابات و مدافع جنود صالح .


تعز المدينة الجميلة و الحالمة ، التي صدرت ملاين من أبنائها الى شتى مناطق اليمن و بلدان العالم ، تعيش جملة من المتناقضات التي لم اجد لها تفسيرا ، فهيا تعارض كل ما يدور في الأرض ، تثور ضد الجميع و يخرج ابنائها يوم الجمعة في صف هادي و السبت ضده ، يخيل للمتابع في التركيبة السياسية و الاجتماعية للحالمة ، انها مع الكل و ضد الجميع في ان واحد .


تعز التي انتفضت في 2011 ضد حكم صالح و ملئت شوارع صنعاء و تعز و الحديدة و عدن و حضرموت و إب بأبنائها ، و اسقت تراب الأرض بالطاهر من دمائهم ، وحملت على عاتقها مسيرة راجله قطعت اكثر من 300 كيلومتر الى العاصمة صنعاء ، في ثورة خالصة طغى على ملامحها ابناء تعز ، لم يتمخض منها قائد واحد يجمع عليه الثائرون ليكون قائدا لليمن او حتى ممثلهم الشرعي في محافل السياسية و مفاوضات المجتمعات .


تعز: المدينة التي يطبق عليها الحوثيين حصارا خانق لأكثر من 3 أعوام ، و تجوب في سمائها طائرات الخليج ، تتخطى ركام مخازن السلاح و فوهات المدافع و صفوف الدبابات الحوثية و أكوام القناصة و ثكنات المليشيات ، لتخطئ في صيدها و تقتنص بحضها العاثر مساكن الابرياء من اهل المدينة ، حتى اذا ما حل الظلام و أغسق اليل ، تتساقط امطار القذائف العفاشية و يدوي رعدها في أرجاء المدينة ، وتعلوا صفارات الإسعاف و نحيب النساء و قهر الرجال .

 
و بين كل تلك الأحداث المؤسفة و المؤلمة ، ينقسم المقسم و يتجزء المجزء ، و يحبوا كل فريق نحو هدفه الخاص ، ففي مدينة تعز هناك حيث يغفوا الموت ليأخذ إستراحة قصيرة بضع ساعت ، ينتشل أبو العباس بندقيته و يشحذها في صدر حلفائه و أبناء جلدته ، و فيها أيضا الطفل المدلل غزوان و العميد صدام و العقيد فاضل و القائد صادق و الزعيم حمود ، و فيها مسلحون  يجوبون الشوارع و الطرقات بحثا عن خصم ما او صيد كما يدعون ، و فيها ما لا يستوعبه عقل و لا يقبله منطق ،  فتلك البقعة الجغرافية الصغرى التي تحررت في تعز ، قد انقسمت على نفسها عشرات و كل فريق تفرد بجزء منها .


في مدينة تعز حكاية يتبراء منها كُتاب التاريخ و أرباب الاقلام ، فيها السلام و القتال و فيها الحب و الايخاء و العداوة و البغضاء ، و رصاص الاعراس تكاد تخترق السماء ، و المسلحين في شوارعها أضعاف من في الجبهات ، و المتسولين يملؤن الشوارع فيما الأسواق تكتض بموالعة القات رغم اسعاره الباهضة جدا ،  فيها ايضا من يعيش وفي رأسه عفاش صغير يمد رجليه مترحما على عرشه و ممتعضا من طريقة موته ، غير ابه بما يحدث حوله .


وجدت هذا و أكثر في فترة إقامتي القصيرة بالمدينة ، و تبين لي ان ابناء تعز رغم علمهم و ثقافتهم الواسعة ، عبارة عن ظاهرة صوتية و وقود حرب لكل جلاد ، يثورون على الحاكم الظالم ليصنعوا حاكم اظلم منه و أشد جورا ، يؤمنون بأحقية غيرهم في الزعامة و القيادة و ينصرونه بكل عزيمة و إصرار حتى إذا ما استتب عليه الأمر و اصبحت تعز بكل ما عليها تابعة يقودها البعيد عن مجتمعهم ، توقفوا ليعود كل منهم يبحث عن السلام و لقمة العيش المريرة .


و في الأخير لا يعد انصبابي الكامل في حروفي هذة ، امتعاضا او كرها لابناء تعز او رأيا مطلقا عنهم ، لكني أردت ان اصب جام غضبي على بعضا من السلبيات التي رائيتها و عشت معاها اسبوعا حافل بالمتغيرات و الأحداث ،  كل المجد و العزة و الكرامة لتعز الإباء و الشموخ ... عاشة اليمن حرة موحدة عاشت تعز أمل لكل العابرين و الباحثين عن العلم و الثقافة .

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص