في حضرة الدولة

سعيد الجعفري 


منذو اليوم الأول لقدومي العاصمة المؤقتة  عدن كصحفي أضطرته المليشيات الحوثية الإنقلابية  للفرار ، من بطشها ،إلى عدن عانقت رائحة خالي الشهيد عبود في كل مكان اتجهت اليه وشدني ولا زال يشدني ويستوقفني كل يوم المكان الذي أستشهد فيه في الشيخ عثمان أمام جامع النور، احس بروح الشهيد عبود علي غالب تعانق كل القادمين من عموم الوطن المنكوب بفعل الحرب والدمار الذي فجرته عصابات الاجرام المليشيات الحوثية . 
وفي عدن وجدت الدولة التي تحاول ان تنهض من جديد لإعادة الحياة وترميم ما خلفته الحرب التي اشعلتها المليشيات الحوثية.. وجدت الدولة المفقودة في كل منطقة لا زالت تحتلها المليشيات الحوثية، عصابات الموت والخراب على النقيض من الدولة. 
وجدتها بداية   في الأستقبال الحميم من صديقي وزير الثقافة مروان دماج وفي اليوم التالي بالترحيب العالي من قبل نائب وزير الاعلام الاستاذ حسين باسليم في اللقاء الأول به..ولاحقآ كنت في حضرة وزير الدولة صلاح الصيادي ،ضمن فريق اعلامي، جمعت أعضائه الظروف المأساوية التي تعيشها صنعاء...، وجدت الدولة من خلال رجل الدولة الذي يعي مسؤولياته وحريص على تقديم الصورة المثلى للدولة التي يمثلها  ، ولامست الفارق بين دولة تعمل من خلال مؤسسات مسؤولة عن عموم البلد..ومسؤولين يتعاملون مع مواطنين وقضايا وحقوق..، وادركت  الفارق لمعنى العيش في حضرة الدولة، والفرق مع الموت في حضرة العصابة التي  تعمل من خلال مشرفين يتقاسمون المربعات الأمنية في صنعاء،  ونظام الإدارة فيها "سيد" ومشرفين،  يمثلون  "السيد" موجودين بكل مكان اخضعوه لمزاج وفوضى العصابة وافرغوا وعطلوا الدولة من كل وظائفها ونهبوا كل مقدرتها. 
 وازاء ذلك فان المقارنة تغدو مستحيلة بين الدولة واللا دولة..وتصبح حقيقة تدركها وتعيشها وأنت القادم من بين ركام وأنقاض الموت الذي تنشره المليشيات الحوثية في كل مكان. 
عدن مدينة المحبة والسلام والتعايش والتعدد ويحزننا أن لا تكون كذلك ،عدن التي وصلناها كنازحين وفارين من جحيم وبطش مليشيات الحوثي التى أشعلت الحرائق والدمار في كل مكان وطأتها اقدامها وسلبت الناس حياتهم وهدوئهم وأمنهم. .. 
وفي عدن عاصمة اليمن شرقه وغربه وشماله وجنوبه التي جئنا اليها ومنحتنا الآمان ولملمت جراحتنا والآمنا واعطتنا الأمن المفقود والمسلوب من قبل عصابات ومليشيات الإجرام التي حولت المدن التي لا زالت تسيطر عليها الى مدن اشباح يسودها الرعب والخوف وغير قابلة للحياة والعيش..
جيئنا الى عدن المدينة العريقة بحضارتها وتاريخها وناسها الطيبين والمسالمين والمدنين بتعاملاتهم ،فنعمنا بطيب الاقامة بين أهلها ووجدنا فيها معنى الدولة المفقودة والمسلوبة من عصابات الإجرام الحوثية. 
منذو أن وطأت اقدامنا عدن العاصمة المؤقتة شعرنا بحجم الفرق أن تكون في حضرة الدولة واللا دولة ولمسنا الفارق الكبير بين مشروع الفوضى والدمار والقتل،   ومشروع الدولة الذي تحاول حكومة الشرعية أن ترمم ما دمر من قيم الدولة والمواطنة المسلوبة وتحاول أن تستنهض قواها لإستعادة كل اثار الدمار والحرب وتعيد تطبيع الحياة للمدينة بإعادة الخدمات وتثبيت دعائم الأمن والإستقرار،  وتقوم بمسؤلياتها بحل مشاكل المواطنين وتحقيق الأمن والإستقرار. .،ونجحت إلى  حد كبير في توفير الحد المطلوب من وسائل الحياة والأمن ومظاهر الحياة.. 
ونحن القادمون من صنعاء الجريحة والمغدور بها والواقعة تحت سطوة المليشيات شعرنا بنعمة الأمن ومظاهر الحياة والاستقرار في حياة الناس  الى الحد المعقول والذي بدأ لنا كاف في الوقت الراهن ،ونحن القادمون من صنعاء الذي لم يتبقى فيها شيئآ قابل للحياة .. 
وهنا في عدن بدأت الأوضاع في ظل وجود دولة أفضل بكثير خلال الأشهر الفائته ولا زلنا نتمنى ان تستمر..وان يعود الجميع الى جادة الصواب وتغليب منطق العقل والحرص على امن وسلامة المواطنين، الواقع والتاريخ مليء بالدروس لتاريخ الحروب والصراع المسلح الذي لا يمكن ان يحل مشاكل او يلبي مطالب.. بقدر ما يزيد الأوضاع اكثر سوءا" ويحول مظاهر الحياة الى موت يتربص بالجميع ويحل بالكوارث المآسي.. 
أدركت وأنا الفار من المكان الذي تتحكم به الفوضى وتحكمه عصابات ومليشيات الموت الحوثية، حجم الفارق بين اللا دولة..ودولة تبدأ من جديد في استعادة الحياة التي غدرت بها مليشيات الحوثي ولم تترك أي بقعة في تراب الوطن في كل مكان دون أن تتأثر بتداعيات مشروع الموت الذي تبعثه في كل مكان ،منذ أستولت على مقدرات بلد بكامله.. ثرواته وخيراته ومقدراته ومؤسساته وكل موارده ، والتي تضررت معها  عموم المدن والمحافظات من تداعيات سيطرة العصابات على الدولة. 
 هنا في عدن كنا أمام مشاهدات تظهر مظاهر الحياة لمدينة تستعيد عافيتها روديآ رويدا .. الأطفال يذهبون صباح كل يوم للمدرسة بتفاؤل   أكثر والموظفون حاضرون  في مكاتبهم  في حضرة دولة،  ولديهم ما يقومون به من أعمال ومهام..والأسواق تمتلئ  بالباعة والمتسوقين والزبائن..والمستشفيات فاتحة أبوابها بغض النظر عن حجم الإمكانيات،  لكن المؤسسات جميعها تعمل ولا تزال تطالب بالمزيد من الإمكانيات لتحسين جودة العمل والخدمات التي تقدمها.. 
 الخدمات عموما الى حد معقول متوفرة والكهرباء شهدت تحسن. .وفي المساء تستطيع أن تجلس امام التلفاز  للإستماع لنشرة الاخبار التي تستوقفك عناوينها عن نشاط المسؤولين ومهامهم المتعددة في جملة اخبار عن واقع دولة يمثلها مسؤولين يتابعون الاداء ويزورون المرافق..ويطربك اكثر الحديث  عن خطط للنهوض بواقع المحافظة وغيرها، والاجمل من كل ذلك..وجود رئيس الحكومة الدكتور احمد عبيد بن دغر يكافح كل يوم على  تحسين الصورة ومتابعة الاداء ويعي مسؤوليته، ذلك بالنسبة لي شكل مبعث للأمل والتفاؤل بأن اليمن ستعود ذات يوم للحياة التي تخلوا من الصراع واخبار الحرب بعد ان يكون قد انتصر مشروع الدولة على اللامشروع واجرام العصابة 
 بالنسبة لي ظلت تشدني عدن العاصمة المسؤولة عن كل ربوع اليمن..عدن كمشروع كبير يحمل عنوان اليمن الكبير المتعدد الاحزاب والثقافات والافكار والرؤى عدن التي تقبل بالاختلاف وتتسع للجميع وتقبل بالتعايش...بالنسبة لي استطعت ان اتنفس لحظات من الحرية واشعر بشيئا"  من الثقة..وانا اجد في المكتابات العديد من الصحف المتعددة بعناوينها المختلفة.. ولفتت انتباهي اللوحات الاعلانية للمجلس الانتقالي الذي يعيش جنبآ لجنب مع حكومة يعترف بها العالم كحكومة مسؤولة عن عموم اليمنين..في كل ارجاء الوطن ومحافظاته..وتدير مؤسسات يقع على عاتقها تقديم الخدمات لليمن عمومآ.. 
 عدن أنتعشت بوجود هذه الحكومة ونالها نصيب أكبر من إهتمامها ، بحكم الدور الذي تتمتع به في الوقت الراهن كعاصمة مؤقتة لكل اليمنين دون ان تسلب أو تنتقص من حق اصحاب مشروع الجنوب ايآ كانت رؤاهم،  نتفق معها أو نختلف،   في تعايش نادر ،كان ويفترض ان يبقي حتى  تحل مشاكل اليمن عمومآ..،وتقوم عدن بمسؤولياتها بتحرير ما تبقى  من تراب الوطن تحت إحتلال العصابات والمليشيات الايرانية،  بمهمة لا يجب ان تتخلى  عنها  عدن،  ويجب ان لا يشغلها شيئآ في الوقت الراهن عن هذه المهمة ، وهي المدينة التي انتفضت في وجه السرطان الدخيل الحوثي. .حين توهم للحظة انه قادر على تغييب تاريخها ووعي ابنائها وانه سيكون قادر على احتلالها وسلخها من عروبتها.  عدن التي يسقط ابنائها شهداء كل يوم في معارك تحرير الوطن من حكم العصابات...لا زلت اؤمن بأن ما يحدث اليوم من بوادر اقتتال فيها ، سيتوقف وسيعود الجميع الى منطق العقل..لا يمكن لبلد ان يعيش او ينهض بدون دولة...ولا يمكن لدولة ان تستمر دون ان تؤدي دورها في حماية مواطنيها والاستماع الى مطالباتهم.. 
لا زال الأمل لديا بأنني سأنهض صباحآ وكل شيء من مظاهر العنف والفوضى، قد توقف وسأستقل الباص الذي يوصل الى خور مكسر لمتابعة رواتبي التي سرقتها العصابة وتعيدها لي الدولة..لا زلت متمسك بأمل إن عدن لن تخذلني لأكون نازحآ في مكان آخر سواها.