كتاب “الآثار”.. العرب فكّوا اللغة الهيروغليفية قبل “شامبليون”‎

 

 


ربما تكون المرة الألف التي يأخذك فيها الدكتور خالد عزب، المؤرخ وباحث التاريخ الإسلامي المرموق، في سياحة عبر العصور والأمكنة، فتجلس مع أهل هذا الزمان العثماني أو الفاطمي، أو تسافر في السنين أبعد قليلًا، فتتعرف على مصر القديمة بخطوطها وحضارتها وبرديتها الشهيرة.

 

 

ففي كتابه الصادر حديثاً عن الدار المصرية اللبنانية بعنوان “الآثار .. شفرة الماضي .. اللغز والحل”، يضعك عزب في دائرة قلقه، يطلب منك أن تشاركه أسئلة يبحث لها عن إجابات شافية، فيدعوك ببساطة أن ترافقه في رحلته التاريخية، طارحًا أمامك قصة “الآثار”، وما حدث في حياة الإنسان على الأرض، منذ العصور السحيقة، كاشفاً عن أسرار الآثار التي تقدم إجابات على أسئلة تدور في ذهن كل إنسان، فعلم الآثار يهدف إلى الحفاظ على المكتشفات التي تعود للماضي الموغل في القدم، وكذلك الماضي القريب، بالكشف عنها وحفظها.

 


لكن حدوده لا تقف عند ذلك، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة فهم الإنسان وتطور المعرفة الإنسانية، فالمواد التي يعثر عليها علماء الآثار، لا تخبرنا بمفردها بكل شيء، فعالم الآثار يضع افتراضيات وتساؤلات ليصل إلى رؤية لما تم الكشف عنه.

 


من هنا، تأتي الإثارة الناتجة عن هذا العالم.. كيف كنا؟ وكيف نحن الآن؟، بين هذين التساؤلين مساحة واسعة، سواء من حيث الزمن أو المعرفة، أو التطور الذي لحق بالإنسانية، ويكمن دور علم الآثار في سد الفجوة بين التساؤلين.

 


قصص شيقة ومعلومات مذهلة يرويها الدكتور خالد عزب، عبر فصول الكتاب الستة، فيحكي عن علم الآثار وبداية تطور المجتمعات وجهود العلماء في كل عصر لفك طلاسم الماضي، وهنا يحكي قصة وتطور الكتابة وفك شفرات اللغات القديمة كالمصرية القديمة التي حاول العرب بل قدموا خطوات مهمة في فهم هذه اللغة وطبيعتها، سواء عبر “ذو النون المصري” أو “ابن وحشية”، قبل العالم الفرنسي الشهير “شامبليون”، الذي نسب له كل الفضل في فك اللغة الهيروغليفية، كما يعرفنا المؤلف على خطوات فك الكتابات السومرية، وكيف تم فك شفرتها، وكذلك كتابات المايا.

 

من الحكايات التاريخية الطريفة، ما يرويه خالد عزب، عن علم الآثار وغذاء الإنسان، حيث يهتم علماء الآثار منذ فترة طويلة بجوانب الطعام المادية، التي كانت سائدة منذ العصور الحجرية، فتتبعوا أصول الغذاء وتطوره وانتشاره، وناقشوا وصنفوا ما كان يؤكل، ومن أين كان يأتي؟، وكيف كان ينتج ويوزع؟، فالإنسان في حاجه ماسة وملحة للطعام وليس كالحرف الأخرى التي يبتكرها الإنسان للرفاهية وراحة العيش، فهو يوازي وجوده في الحياة، وحاجته له توازي حاجته للنوم والراحة، لذا فإن سعي الإنسان منذ أن اعتمد على التقاط الصالح للأكل من النباتات البرية وصيد الحيوانات إلى الزراعة وتدجين واستئناس الحيوانات، كان سعيًا وراء توفير حاجته للطعام.

 


يهتم خالد، وبهوى شخصي، بطبق الفول، أهم أكلة عند المصريين، فيروي بدايته، والتي جاءت منذ عصر الأُسر الأولى الفرعونية، وعثر على بذوره في أحد قبور الأسرة الثانية عشر الفرعونية، وفي العديد من الأماكن.

 


وقال: “كلمة فول مدمس تعني بالمصرية القديمة الفول المدفون، وتحولت بالعربية إلى مدمس، كما أعد المصري من نبات الفول الفلافل، التي ظهرت في أحد المشاهد المصرية القديمة، كما صنع من الفول البصارة التي كانت تعرف بـ(بسي أورو) أي فول مطبوخ”.

 


كما كشف الدكتور خالد عزب، عن مهنة الطباخ في القصر الملكي في العراق القديم، والتي كانت لها مكانة خاصة، ووصلنا رقم طينية تعود إلى ما قبل 1700 قبل الميلاد، بها وصفات وطقوس الطبخ في القصر، تحتوي على 25 وصفة، 21 منها عن اللحم المسلوق بالماء، وأربع منها تشمل اللحم المطبوخ بالخضراوات.

 


ويعود عزب، إلى رؤية علماء العرب لعلم الآثار، فقد جعل العرب والمسلمين النظر في الماضي للعظة والعبرة، من هنا نستطيع أن نفهم كتاب المقريزي المؤرخ المصري في العصر المملوكي حين عنون كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار”، الذي يذكر فيه آثار القاهرة، وما طرأ عليها من تحولات عبر الزمن، لكن هل كان المقريزي سابقاً لعصره حين عالج آثار القاهرة في كتابه؟.

 


منهج المقريزي يوازي ما نحاول الوصول إليه اليوم، إذ أن الأثر ليس بناية أو قطعة، بل تعبير عن ثقافة المجتمع، وما يطرأ فيها من تحولات، وعليه، فإن ذلك يراه الدكتور عزب، في كتاب تراثي هو “أنوار علوي الأجرام في الكشف عن أسرار الأهرام”، الذي ألفه الشريف الأدريسي، ويكشف فيه عن معرفة العرب وبنائهم لعلم الآثار، وسموه علم المطالب وألفوا فيه، كما أنه يؤكد أن مشاهدة الآثار لها دور في إبهاج النفس وتنمية الوعي.

 


في النهاية، يحذر خالد عزب، من أن سرقة الآثار من موقعها، من قبل اللصوص، تفقد القطعة الأثرية جزءاً كبيراً من قيمتها، فالسياق الذي يجري فيه الكشف عن القطعة الأثرية، يساعد علماء الآثار على فهم المجتمعات القديمة وطبيعة النشاط البشري، إلى جانب التطور المذهل في علم تقنيات تأريخ الآثار الحديثة، ويجعل المواطن العادي لدية درجة من الخبرة النسبية حول هذه القضية، بدءاً من الزخارف إلى الكتابات إلى المواد التي يصنع منها الأثر، إلى طبقات الموقع الأثري إلى استخدام تقنيات المعامل.

 

 

والدكتور خالد عزب حاصل على درجة الدكتوراه، في الآثار الإسلامية من جامعة القاهرة  وهو عضو في عددٍ من المؤسّسات والجمعيات العلميّة، ويرأس تحرير مجلة “أبجديّات”، ومجلة “مشكاة”، وهو قبل ذلك مدير المشروعات بمكتبة الإسكندرية ورئيس تحرير مجلة “ذاكرة مصر”، والمشرف على مشروع جمع مكتبات ووثائق وأوراق رموز مصر وعائلاتها السياسية.

 


كما حصل كتابه الهام “فقة العمران: العمارة والمجتمع والدولة في الحضارة الإسلامية”، على جائزة أحسن كتاب عربي، فضلاً عن جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص