الأدب الأفريقي.. حلم القارئ العربي المؤجل منذ سنوات

 


يدعونا المفكر المصري حلمي شعراوي، الخبير في الشؤون الأفريقية، ومؤسس مركز البحوث العربية والإفريقية، في كتابه الممتع الذي صدر منذ أيام، بعنوان “الثقافة والمثقفون في أفريقيا”، عن الهيئة العامة للكتاب، إلى رحلة في قلب وعقل القارة السمراء، ذلك العالم المجهول لدى المشهد الثقافي العربي.

 

أفريقيا عالم الطبيعة والإنسان، عالم الشمس والأشجار والحرية، وأيضًا عالم الجوع والقهر والاضطهاد والاستبداد، ومع ذلك يبقى إنسانها جميلاً معطاءً، لا يكل ولا يمل ولا يتمرد، إلا من أجل نيل حريته وكرامته.

 


عبر صفحات الكتاب، يقدم شعراوي، العالم المشرق كشمس أفريقيا، الأخضر كسهولها والأصفر كالصحراء، فهناك النصوص الشعرية التي تتراقص على نغمات طبول الحرب، التي تقرعها تلك القبائل السوداء، وتستعد لمواجهة الشيطان الأبيض، الذي مازال يحاول طمسها، وتشويه ملامحها الجميلة، فالكتاب يحمل قوة القارة الذهبية، وكبرياءها وشموخها، وكل آلامها وعنفوانها.

 

عبر كتابات محملة بتاريخ طويل، من القهر والعظمة والجمال والقسوة والوجع، لم يستطع الاستعمار أن يقتلع من الأفارقة ثقافتهم واعتزازهم وفخرهم بحياتهم، بل زادهم تعلقًا وانغماسًا بأرضهم وجذورهم.

 


كتاب “شعراوي”، يتحدث عن هذه الثقافات الأفريقية المتباينة، بأشكال مختلفة، ويركز على التفاعل فيما بينها، كما تطرق لدور السير الشعبية، وخطر العولمة على تراث القارة الأفريقية وخصوصيته المتفردة، ولأهمية الجانب الثقافي في مواجهة ذلك.

 

كما أشار لدور الدين الإيجابي في أفريقيا، وكيف أن الإسلام وحد الشعوب، والمسيحية حدثتها.

 

وأشار المفكر المصري، إلى أن الإسلام في أفريقيا خاصة في “جنوب الصحراء”، لم يكن مثيرًا في تفاعلاته، مشيرًا إلى أن معارك الإسلام السياسي والعنف، بدأت تظهر مؤخرًا، وأنه يوجد في المكتبة العربية نحو 40 كتابًا عن أفريقيا، منهم 15 من الدراسات الأفريقية، التي تشتمل على الفكر السياسي والاجتماعي في أفريقيا.

 

وتكمن أهمية كتاب حلمي شعراوي، فيما يشكله من إلقاء ضوء كاشف على الأدب الأفريقي وأهميته، بل يعد إضافة للمكتبة الأفريقية والعالم الأفريقي، ولجيل يفتقد الكثير من تنوع الثقافات والفنون في القارة السمراء.

 

وتكاد تخلو المكتبة العربية من أعمال الكتاب والشعراء الأفارقة، إلا ترجمات عربية قليلة، لا تعطي المشهد الإبداعي الأفريقي حقه الأصيل، في القدرة على التعبير الصادق عن آلام القارة السوداء، وما عانته عبر قرون طويلة، من محاولات استعمارية لسلب الهوية الأفريقية وتراثها الحضاري والتاريخي الضارب في القدم.

 

ويشتمل الأدب الأفريقي، على التراث الشفهي والآداب المكتوبة بلغات بعض الشعوب الأفريقية، كالسواحلية والحوصة والبانتو والنيلو، وغيرها من الشعوب التي تعيش في بعض أجزاء القارة السوداء، لاسيما إلى الجنوب من الصحراء الكبرى.

 

ومع أنه لا يمكن الادعاء بوجود وحدة ثقافية أصيلة بين الشعوب الكثيرة، التي تعيش في هذه القارة، إلا أنه لا يمكن أيضًا إنكار الملامح الحضارية المشتركة، التي تعم شعوبها، وقد بدأت في الظهور بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، إذ أخذت تبرز حالة من الوعي السياسي، الذي يدل على الانتماء الحضاري للأفارقة، وذلك من خلال بعض الحركات أو التنظيمات الأفريقية، مثل حركة عموم أفريقيا.

 

وتنتشر القصص الشعبية في أفريقيا، إلى جانب الشعر والأساطير، وأشهرها وأكثرها انتشارًا، قصص الحيوانات الماكرة، ومثالها عند شعوب البانتو في شرقي أفريقيا وأوسطها وغربيها، وفي غربي السودان، هو الأرنب البري، وفي غربي إفريقيا العنكبوت.

 

وتتميز هذه الحيوانات عندهم عادة، بالحيلة والدهاء، تهزم بهما أعداء أكبر منها وأقوى، على الرغم من كثرة أخطائها، التي تمتع المستمعين وتضحكهم.

 

معظم اللغات الأفريقية غير مكتوبة، ولم يحاول المستعمر الأوروبي تطويرها أو توحيدها، بل شجع استعمال اللهجات المحلية، ليزيد القبائل فرقة، وحارب اللغة العربية خاصة، وسعى إلى فرض لغته وثقافته في المناطق المستعمرة، فسادت فيها الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية أو البرتغالية، بحسب لغة المستعمر، فزاد ذلك في اضمحلال اللغات المحلية واندثارها، على أن الدعوة إلى إحياء تلك اللغات واستعمالها، قد ازدادت قوة بعد الاستقلال، فعادت إلى الحياة بعض اللغات القديمة، وظهرت لغات جديدة، كالأفريكانية، التي انتشرت في جنوبي أفريقيا، بين السكان المحليين، وهي خليط من بعض لغات البانتو والزولو والإنجليزية والهولندية، ومعظمها تكتب بحروف لاتينية.

 

ويعد الروائي الغيني ورونيه ماران، من طليعة الكتاب الأفارقة، الذين جابهوا الاستعمار، وكشفوا عن مخاطره وسلوكه، ويمثل مؤلَّفه “باتولا” الفائز بجائزة “غونكور” الأدبية الفرنسية العام 1921، بداية حقيقية للأدب الأفريقي المكتوب بالفرنسية.

 

وقد أشار الكاتب الكونغولي دونگالا، إلى أن الأدب الأفريقي إبان الاستعمار، اتصف بالشمولية في مستوى القارة، ثم بدأت تتضح بعد الاستقلال الصفات النوعية المميزة لكل بلد أو مجموعة عرقية، بيد أن القاسم المشترك بين مختلف أدباء القارة، إنّما يتجلى في انشغال الأدباء الأفارقة، بالتصدي للمشكلات الكثيرة التي تواجه هذه الدول الفتية، وتطبع آدابها بطابعها.

 

وتعتبر رواية “أشياء تتداعى”، للكاتب النيجيري تشنوا أتشبي، إحدى الروايات المؤسسة للفضاء الإبداعي الأفريقي، كاشفة وبنبرة سردية شجية، مسالب الاستعمار والغزو الثقافي والديني والعسكري على يديه، وعانت منه القارة السمراء لعقود طويلة، مستحضرة البعد الثقافي والتاريخي والروحي للإنسان الأفريقي، وإحيائه عبر الكتابة.

 

وعلى الرغم من صدور النسخة الأولى منها، مكتوبة بالإنجليزية العام 1958، إلا أنه ينظر لهذه الرواية على أنها تعبير صارخ عن أفريقيا السوداء، حيث تدرس في مناهج العديد من دول القارة.

 

تقع أحداث الرواية في العام 1890، بقرية تدعى “أشياء تتداعى”، الواقعة غرب مدينة أونيتشا على الضفة الشرقية لنهر النيجر، وتصور ثقافة شعب الإغبو، حيث يعيش السكان الذين يتحدثون لغة الإيغبو، في مجموعات في قرى مستقلة، يحكمها شيوخ القبائل، ولهم عاداتهم وثقافتهم المحلية الضاربة في القدم.

 


بطل الرواية هو “أوكونكوو”، رجل قوي وعصامي بنى نفسه بنفسه، ويعتبر من شيوخ قبيلته، يسعى للحفاظ على ثقافة أجداده، ولكنه يدخل في صراع مع المبشرين الإنجليز، الذين جاء بهم الاستعمار، هؤلاء من جهة، وأبناء جلدته الذين ينصاعون للدين الجديد والثقافة الجديدة، من جهة أخرى.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص