من مدينة الرسول


هي المرة الأولى التي يقودوني العزم والإصرار لزيارة مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام ، لكم شعرت بالذنب وأنا أشاهد صور الزملاء والأصدقاء تفيض من هناك على صفحات التواصل الاجتماعي ، أو بمشاهدة وسماع حادي الأذان يصدح من حيث يرقد الصادق الأمين من خلال التلفاز والراديو ،، أو لقراءة سيرته العطرة ومواقف الصحابة الكرام ، أو لمسحة ذكرى مرت على عقلي فحواها مدينة الرسول . 

سبع سنوات وأنا أقيم في السعودية ،، لم أزر فيها بقاع سيد المرسلين ،، لربما ظروف العمل وطبيعته ،، لكنه ليس العذر الكافي بالنسبة لي ، لن ابكى على الأطلال فما زالت الفرصة سانحة ، وقد أوتيتها قبل يومين حيث عزمت وقررت وتوكلت ،، ويممت وجهي شطرها..

من الرياض يصحبك الزمن ثمان ساعات وتشرق " المدينة " من بين جبالها ،  تطل عليك على استحياء ،،  يا لروعتها وجمالها وسكونها المريح ،، تحلق روحك في فضاء روحاني ممتلئ بالخشوع والطمأنينة ،، ويرسم الشوق على قلبك لوحة إيمانية لزيارة الحبيب فيها ،، والمآثر الخالدة التي سطرها مع صحابته الكرام . 

 هنا في المدينة الهدوء سيد التعامل كيف لا وفيها سيد المرسلين ، والطيبة وقار الناس فهي مدينة " طيبة " ،، والأخلاق سيمة أهلها ففيها سيد الأخلاق والمتمم لمكارمها  .. 

كانت " أحد " هي أولى محطاتنا وهناك شاهدنا معالم هذه الغزوة ، والتي عزمت قريش بغرورها  أن تنتقم مما حصل لها في بدر ، في هذا المكان تجد قبر سيد الشهداء حمزة الذي كسر أنفة الاستبداد القرشي  حين صفع أبي جهل في مكة وقال له : أتشتم محمدا وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرُدَّ ذلك علي إن استطعت " كانت هذه الصفعة هي الأولى التي تلقتها قريش من أسد الله ورسوله أما الثانية فهي حين قضى على شيبه بن ربيعه في مبارزة بدر وايضا أجهز على الوليد بن عتبه وهو الذي تسبب في استشهاده بطلاً مقداما في معركة أحد ... كما يشدك موقف قريش وهي تريد الثأر لنفسها في " أحد " ثم تعود وهي تحمل خيبات الهزيمة ؛ ذلك أنها باءت بالفشل في بداية المعركة ولولا التفات خالد بن الوليد " قبل إسلامه" بعد أن رأى الثغرة حين نزل أغلب الرماة طمعا في الغنيمة الكبيرة التي غنمها المسلمون من قريش لكانت خسائر المسلمين قليلة ،،  لم تحصل قريش على هدفها المتمثل بالقضاء على القوة العسكرية للمسلمين والتي ظلت محافظة على تماسكها وقوتها بالرغم من الخسائر التي تلقاها المسلمون في نهاية المعركة نتيجة الالتفاف من خلف جبل الرماة ؛ فقد دفع الرسول القائد بسرايا لمطاردة المشركين في اليوم التالي . 

أما مسجد " قباء " فكان محطتنا الثانية وهناك ترى أول مسجد وضع لبناته النبي عليه الصلاة والسلام ، بعد أن طردته قريش من بلاده التي هي أحب البقاع  اليه وخرج منها مكرها ،، فقد وجد الملاذ الآمن الذي يمكنه من بناء الدولة الإسلامية ونشر الرسالة السماوية .. وما إن تعود مدارجك حتى تستذكر قدوم النبي الى المدينة والاستقبال التاريخي بكلمات تاريخية : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع..  لقد استقبله الأنصار اليمانيون وقد فتحوا قلوبهم وصدورهم لهذه الرسالة السماوية وهذا الدين الكريم ، لقد نالوا شرف النبي في مدينة مزقتها صراعات قبلية واقتتال دام سنين " داحس والغبراء " لكنهم ربحوا الجائزة وآوه ونصروه وخابت قريش وخسرت حين طردته منها . 

أي جائزة لهؤلاء اليمانيين أعظم من الظفر بالنبي الكريم ومصاحبته والنهل من معينه الذي لا ينضب ،، لقد تسابق اليمانيون في إكرامه وتقديم ما يملكون من أجله ومن أجل ما يحمل من دين قويم ، وأصبحت المدينة مدينة بعد أن كانت يثربا ، وصارت بقعة مباركة وعاصمة إسلامية ، ومهبط الوحي . 


أنتصر الرسول من الظلم وأقام وأسس مبادي العدل والمساواة وآخى بين المهاجرين والأنصار ووضع وثيقة المدينة " الوثيقة الأزلية والدستور الخالد في التعايش " وبنى المسجد النبوي الذي كان مقرا للعبادة والقيادة ، وحين تزور مسجدة والروضة الشريفة التي هي قطعة من الجنة " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " ، وتسلم على الحبيب حيث يرقد وصاحبيه أبو بكر وعمر ، تخفض صوتك قائلا يا رسول الله : نشهد إنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشف الله بك الغمة "..
 يا رسول الله : إن قوما من قريش فتكوا بنا واستباحوا دماءنا وأرغمونا على الهجرة من بلادنا ومنعونا من الرجوع لها ..
 يا رسول الله :إنهم قوم يدعون أنهم من ذريتك وأنت لم يكن لديك ذكورا بعد مماتك  ..
 يا رسول الله: إن قريشاً  بغت علينا : 
يا قاتل الظلم صالـت هاهنـا و هنـا 
فظائع أيـن منهـا زنـدك الـواري 
أرض الجنوب دياري و هي مهد أبي 
تئـنّ مـا بيـن سفّـاح و سمسـار 
يشدّهـا قيـد سجّـان و ينهشـهـا 
سوط ... ويحدو خطاها صوت خمّـار 

ولكأن همسا يصل إليك وأنت تستذكر قراءة القران " مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ  )" ..  " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " .. " وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ  وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا " .

 

 


.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص