صنعاء بين تحالفين: كالمستجير من الرمضاء بالنار

 

عبير بدر 

 
كان الرهان على أن تفلت الأمور ليتصدع صف «الشرعية» اليمنية سريعاً، مع وجود انقسامات حادة بين ذراعيها في اليمن، الموالي للسعودية والمحسوب على الإمارات، وخصوصاً مع التحركات المتوترة الأخيرة لمسؤوليها دخولاً وخروجاً من عدن. 

 

لكن الشارع، ومعه النخب، تفاجأوا بقفزة متهورة في علاقة تحالف صنعاء (علي صالح وأنصار الله)، في ظل ظرف يتطلب النقيض، حيث تُباهي عدن، إعلامياً، بترتيب صفها ونجاحها في توفير الخدمات وتحسن كبير في ضبط الأمن، وتوفير الرواتب والمكرمات - الورقة الحاسمة في استمالة الشارع -.

 

في المقابل، فإن لـ«أنصار الله» أيضاً تحركات للتأثير واستقطاب أهالي المحافظات الجنوبية المتضررين من التواجد الإماراتي، تحت دعاوى عدم حفظه الأمن كلياً أمام «القاعدة»، ناهيك عن تواجد المنتهك للسيادة الوطنية أساساً، والشبيه بالاحتلال الباسط على الأراضي والسواحل والثروات. 

 

إذن، فالمرحلة كانت مرحلة استقطاب ويفترض فيها ضبط الأعصاب.


الخلاف الحوثي العفاشي موجود أساساً، وما كان تحالفهما إلا «مجابهة للعدوان»، كما كان يصرح به طرفا التحالف بشكل ضمني في كل مرة يتم فيها الحديث عن ضغائن الماضي، لذلك فالمستغرب ليس نشوب هذا الخلاف بقدر بروزه إلى السطح في هذه المرحلة.


 ما الذي يجعل صالح يقوم برفع صورة هادي رغم علمه بمدى استفزازها لشريكه، بل حتى لشريحة كبيرة من الشارع وقواعد حزبه؟ هل يهدف إلى كشف مدى انفلات أعصاب صنعاء؟ ما مصلحته في ذلك؟ ما هي ضماناته من أن شق الصف، في الوقت الراهن، لن ينقلب على رأسه؟ وأن «التحالف» سيتلقف الخطوة ويعتبرها مبادرة سلام؟

 

المثير أيضاً أنه، ومنذ اللحظة الأولى لظهور الخلاف، عمل الخليج على تسعير النار بين حلفاء صنعاء، كسياسة ذكية لمحارب طالت حربه، وهذه حالة استثنائية مثيرة في سياسة «التحالف» الذي لم يبد أي تصرف ذكي طيلة فترة الحرب. 

 

هذه المرة فقط تلقف الفرصة، ويبدو أن صالح كان يعلم أن ذلك سيتم، كما علم أن التوقيت مناسب أيضاً لتؤتي زيارة نواب المؤتمر لولي العهد السعودي في جدة أكلها، بعكس لقاءات محمد عبد السلام على رأس وفد من «أنصار الله» في ظهران الجنوب سابقاً.


لا يمكن الجزم بحرص طرف داخلي أو خارجي على احتواء الأزمة الجديدة

 

صالح يعرف متى يرمي الكرة، وهذا يحملنا إلى الاستنتاج بأن «التحالف» و«الشرعية» كانا بدءا في التهاوي، لسبب أو لآخر، وأن النهاية كانت قد آنت، لكن لماذا لم يرغب صالح في تحقيق نصر مع شريكه إن كان يحسب العد التنازلي لأداء «التحالف»؟ هل للتحركات الإيرانية السعودية الأخيرة علاقة بالأمر؟ أم أنه لا يرغب في أن يحقق نصراً مع «أنصار الله»؟

 

لا غرابة في عدم رغبة «المؤتمر» و«الشرعية» و«التحالف» وحتى الإيرانيين أنفسهم في تحقيق نصر محسوب لحركة «أنصار الله»، على الأقل في الوقت الراهن، «أنصار الله» التي ردت بعنفوان على تصريح مسؤول إيراني بأن بلاده مستعدة لتواجد عسكري في اليمن، حيث قال القيادي في الحركة، صالح الصماد، إنه «مهما كان حجم العدوان، ذلك لا يعني أن تراب اليمن ومياهه الإقليمية أصبحت مستباحة لمن هب ودب». ليس ذلك فحسب، بل توعد بـ«دفن من تسول له نفسه الإقدام على التأسي بدول العدوان في التواجد على أي شبر في اليمن، حتى ولو باسم الدفاع عنها».

 


هذا الرد القاسي، رغم الكبرياء الذي يحمله، إلا أنه ليس رداً يُوجّه إلى حليف يقدم دعمه لحركة في حالة حرب. وإن كان هذا حديث «أنصار الله» في زمن الحرب، فكيف سيكون حديثها، إذن، في حالة السلم؟

 

 ثمة مخاوف دولية بشكل عام في هذا الإطار، ولذلك يُعتقد أن المجتمع الدولي الذي لم يتخط بعد تحدي «القاعدة» كفكر متطرف، ليس على استعداد لخلق تحد آخر يُدعى الحوثي بسياسته «المتغطرسة»، وهذا لا يعني أنه سيتم القضاء عليه، بل سيتم استخدامه كفزاعة من جهة، ومن جهة أخرى سيُدفع للمشاركة في العملية السياسية حتى تلين عظامه كما لانت عظام من سبقه.

 

ولكن إلى ذلك الحين، وفي ظل التصعيد المتبادل لشريكي التحالف في صنعاء، لا يمكن الجزم بحرص طرف داخلي أو خارجي على احتواء الأزمة الجديدة، وربما الحرب الجديدة، بل على العكس، جل ما يريده «التحالف» الآن هو استنزاف قوى صنعاء، وإن كان سيسهم في شيء فسيسهم في تصدع الأرض تحت قدميهما، فيما صالح والحوثي لا ينظران للأمر على أنه استنزاف لهما، بقدر ما هو إظهار لقوة كل منهما منفردة، حتى يعرف القاصي والداني لمن الغلبة في صنعاء.

 

 

 

 

.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص