امنحني الجسور


من العدل اعتبار 'المسافة العاطفية' التي تفصل بين عاشقين، هي حقل “سلبي” آخر شبيه بالمساحة السلبية التي تسكن اللوحات الفنية.

 

تُعتبر “المساحة الفارغة” من أهم العناصر المُوظفة في العمل التصميمي الفني، أو التشكيلي أو الفوتوغرافي أو الموسيقي إلى جانب عناصر أخرى كاللون والخط والشكل والحجم والتوازن والإيقاع، يستخدمها الفنان ليهب نصه الفني، جاذبية وقدرة على التأثير في نفس المُشاهد أو المُستمع.

 

بعض الفنانين يستخدمها بشكل لا إرادي، وكأنه مفطوم عليها من اللحظة الأولى التي تناول فيها ريشته أو قلمه، ليشيد مقطوعته الموسيقية، أما البعض الآخر من الفنانين فتُلقّنه الممارسة أو الدروس الأكاديمية كيفية استخدام مفاتن تلك المساحة غير المأهولة التي لا تعد ولا تحصى.

 

والمقصود بشكل أساسي بـ”المساحة الفارغة”، الحيز المفتوح حول أي شكل أو هيئة بصرية، أو سمعية وضعها الفنان في عمله الفني لتمثل إنسانا أو جمادا أو مشهدا من المشاهد الواقعية أو المُتخيلة، ويمكن لهذه المساحة أن تكون مُجسدة بلون داكن أو بلون فاتح، المهم هو أن يحدث الفصل، الفصل الذي يعطي لكل هيئة هويتها بمعزل عما يشاركها حدود العمل الفني.

ويرتبط اتساع أو ضيق هذه المساحة برغبة الفنان على التأكيد على عنصر من عناصر القطعة الفنية، أو تهميشها على حساب عنصر آخر.

الموسيقيين، على سبيل المثال، يطلقون على فترات الصمت داخل القطعة الموسيقية الواحدة بـ”المساحة السلبية”، وهي مساحة بالغة الأهمية يجري قياسها وتقديرها بدقة كبيرة لتزيد من جمالية وفعالية المقطوعة الموسيقية.

 

ونظرا لأهمية هذه المساحة الأقل بروزا في أي عمل فني قد لا يعجبنا الاسم الذي يطلق عليها عادة، وهو “المساحة السلبية”، من أين لها “السلبية” وهي المُواجهة والمُشكلة الأولى والأخيرة “للمساحة الإيجابية” التي تحدد نفوذ وكيان الجسم، أو الموضوع الرئيسي في العمل الفني؟

بهذه المساحة السلبية تتحدد أولوية حضور أي شكل في العمل الفني على حساب شكل آخر يلعب دورا ثانويا في العمل، وهو في أغلب الأحيان، الخلفية الحاضنة له، كما أنه من المعلوم أن العقل الإنساني يستطيع التعرّف على الهيئات على أنها منفصلة عن بعضها البعض بفضل خطوط الالتقاء التي هي شكل آخر من المساحة السلبية التي تفصل ما بين الأشكال.


لكن في حال كانت هذه الخطوط غير واضحة تمام الوضوح، كما هو الحال في الكثير من الأحيان في الأعمال التشكيلية، يبدأ الالتباس والشك يبث سمّه في حنايا حقيقة الأشكال وثباتها، حينها يجيء دور عقل الناظر إلى تلك الأعمال فتكون مهمته سنّ قوانين جديدة ليرى ويعي فيها الأشكال غير المحددة، فيعطيها معنى وقيمة مُصممة بصيغ مختلفة.

صيغ مُرتبطة بشكل أساسي بالخلفية النفسية لصاحب هذا العقل أو ذاك، ولطالما استخدمت تلك الأنواع من الأعمال الفنية المُلتبسة لدراسة نفسية الناظر إليها وتحديد مدى ونوعية مخاوفه وهواجسه الأكثر باطنية، لهذه الدرجة وأكثر، “مُكهربة” هي بالإيجابية تلك المساحات السلبية التي تعجّ بها أجمل الأعمال الفنية وأكثرها قدرة على تحدي مرور الزمن!

 

ولعل أصدق مقاربة لهذه الحالة الاستثنائية والعادية جدا في الآن ذاته للدور الإيجابي الذي تلعبه المساحة السلبية في ظهور وبقاء الأشكال على قيد الحياة في عين المُشاهد، هي تلك التي يمكن أن نقيمها مع ما يُسمى بـ”المسافة العاطفية”، أي الصورة الأخرى “للمساحة السلبية”.

مسافة من حرية تقع جغرافيا بين اثنين متحابين، مسافة تباعد هي ضرورية لاستمرار توقد العاطفة ما بينهما.

 

ربما لذلك من العدل اعتبار “المسافة العاطفية” التي تفصل بين عاشقين، هي حقل “سلبي” آخر شبيه بالمساحة السلبية التي تسكن اللوحات الفنية.

إنها حقل سلبي وفارغ ظاهريا فقط، متنفس من حرية مأهول بشحنات غير مرئية تدرك يقينيا كيف تمدّ متانة جسورها المتصدعة ما بين العاشقين.


العرب .. ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص